استأثرت قضية أزمة الدين الأميركي، ووصولها إلى نسبة 100% من الدخل القومي الإجمالي للولايات المتحدة الأميركية، بتغطيات واسعة من جميع وسائل الإعلام العالمية. كما أثرت هذه الأزمة علي أسواق الأسهم التي فقدت أكثر من أربعة تريليونات دولار خلال أسبوعين. تأثر الدولار والتوقعات بمزيد من الخسارة في سعره مقابل العملات العالمية. ارتفعت أسعار المواد الخام. أصبحت الأزمة عالمية وليست أميركية. سبب هذا هو تغلغل الولايات المتحدة في اقتصادات دول العالم، واستئثارها باستثمارات دولية في سنداتها تتجاوز خمسة تريليونات دولار.
بدأت أزمة الدين الأميركي الأخيرة تظهر عندما تولى رونالد ريجان رئاسة الولايات المتحدة. خلال سنوات رئاسته ارتفع الدين الخارجي للولايات المتحدة من 32 إلى53 % من إجمالي الدخل القومي للولايات المتحدة. أضاف جورج بوش 13% إلى الدين العام ليصل إلى 66% من إجمالي الناتج القومي. يتضح تأثير السياسة الخارجية على أزمة الدين عندما نقرأ أسلوب وتوجه الرئيس في إدارته للدولة. الرئيسان ريجان وبوش لم يركزا على الاقتصاد، وإنما كانا يعملان على ضمان استمرار الولايات المتحدة كقطب أوحد.
حقق كلينتون نجاحات اقتصادية مهمة، أهمها أنه تمكن من خفض الدين العام بنسبة 10% ليعيده إلى 56% من إجمالي الناتج القومي. المعروف أن كلينتون كان مهتماً بالاقتصاد بالدرجة الأولى. آثر أن يضمن قوة أميركا الاقتصادية باعتبارها الوسيلة الأضمن للبقاء، بعد سقوط كل الأنظمة الشمولية التي لا تعتمد الاقتصاد محركاً لها، اعتمد خطة ذات ثلاثة بنود رئيسة هي:
1- ضبط الميزانية من خلال إلغاء العجز، وتنظيم الإجراءات المالية وتدقيق الرقابة والتخلص من الهدر.
2- الاستثمار في المواطن من خلال التدريب والتعليم والأبحاث والعلوم.
3- فتح الأسواق العالمية أمام البضائع الأميركية.
هذه الخطة منحت أميركا، لأول مرة، الفرصة للتخلص من الدين، إلا أن فترتي ولاية جورج بوش الابن أعادتا الولايات المتحدة للوراء بنسبة 27% ، حيث بلغت نسبة الدين بنهاية ولايته 84% من الناتج القومي.
تعيش الولايات المتحدة الآن حالة تاريخية، حيث بلغ الدين الداخلي 78% ومجموع الديون حوالى 100%. كل مواطن أميركي مدين بمبلغ 47 ألف دولار. كما يبلغ نصيب كل دافع ضرائب أكثر من 130 ألف دولار من هذه الديون. يبلغ الدين العام على الحكومة الفيدرالية حوالي 15 تريليون دولار، كما يبلغ إجمالي ديون الولايات حوالي 55 تريليون دولار.
تعاني جميع دول مجموعة العشرين من أزمات تتعلق بالدين العام. المملكة المتحدة أكثر دول العشرين معاناة من أزمة الديون، حيث تبلغ نسبة الديون 388% من قيمة الناتج الوطني، وتصل النسبة في أيريلندا إلى 1110%. تضخمت مشاكل الدين في مجموعة دول الاتحاد الأوروبي، بسبب ضمها مجموعة من الدول التي تعاني مصاعب اقتصادية مثل اليونان والبرتغال والتي أثرت على دول ذات اقتصاد مستقر كألمانيا 162% وفرنسا 208%.
يقول المثل الفرنسي فتش عن المرأة، وأنا أقول فتش عن السياسة. سبب الأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة وتعيشها أوروبا اليوم هو السياسة. يفترض ألا تسيطر السياسة على الاقتصاد في الدول التي تعتمد الرأسمالية والاقتصاد الحر. إن اعتماد السياسة على مصالح فئوية، أو رغبة السياسيين تحقيق مكاسب شخصية تضمن النجاح، هو ما جعل الدول الرأسمالية تقع ضحية أزمات اقتصادية.
النظرية التي أنتجت قوة عظمى، وشريكا قويا تمثله أوروبا، هي نظرية السوق الحر، حيث يحصل كل شخص على استحقاقه بناء على مساهمته في الإنتاج. الاعتماد على العرض والطلب في تحديد الأسعار. والتوسع في الصناعة واستخدام عناصر الإنتاج لتحقيق الربحية الأعلى، جعل الغرب ما هو عليه اليوم من التمكن والريادة. يدعم هذا المفهوم، تبني الديموقراطية التي هي صنو الرأسمالية، حيث يتم تقويم كفاءة أداء الأجهزة الحكومية بناء على مساهمتها في دعم الناتج الإجمالي للدولة، وبالتالي تحقيق مستوى معيشي عال للمواطن - الناخب.
إلغاء تدخل السياسة في الشؤون الاقتصادية مهم. فإقرار الموازنات في البرلمانات يمر عبر عمليات مقايضة سياسية لا علاقة لها بالاقتصاد. تكوين تنظيمات اقتصادية مسؤولة عن إقرار الموازنات بما يعكس مساهمة فروع الميزانية في الاقتصاد بشكل عام أساسي، كما أن قوانين تعديلات الموازنات، لابد أن تمر عبر قنوات رسمية معينة وإجراءات بيروقراطية واضحة تستلزم وجود مبررات مقبولة ومنطقية.
دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني من سحب اقتصاداتها الضعيفة للاقتصادات القوية نحو الهاوية، لابد أن تراجع معايير تأهيل الدول للعضوية. إن الوقوع في مستنقع الإفلاس سيكون نتيجة حتمية للإبقاء على عملة موحدة بين دول لا توازن بينها في المجال الاقتصادي.
الشيء الجيد الذي أسعدني وأنا أراجع موقع ديون دول مجموعة العشرين هو أن الدولة الأقل تورطاً في أزمة الديون هي المملكة العربية السعودية، حيث تبلغ نسبة الدين العام المحلي 13.7%، ويبلغ إجمالي الدين العام الخارجي 15% من إجمالي الناتج الوطني. أدام الله على وطننا أمنه واستقراره وآتانا من فضله ورزقنا شكر نعمه.