يظل الشعر - مهما قيل عن زمن الرواية – تاج المعاني وسيد الكلمات في كل العصور!.
فهو الطائر الذي لا يكف جناحاه عن التحليق أبداً، حتى وإن بسطهما قليلاً وتراءى للبعض أنه على وشك الهبوط!.
صحيح أن هناك من أساؤوا لهذا الجنس الأدبي وفاجؤوا الساحة الأدبية بكتابات هزيلة لا ترقى لـ"الخواطر" العابرة، وزينوها ببعض المحسنات البديعية وقافية تعيسة وموسيقى هي أقرب إلى النشاز، وهناك أيضاً من نثروا كلمات لا تساوي ثمن المداد الذي كتبت به وسموها "قصيدة نثر"، إلاّ أن كل تلك الكتابات المريضة لا تعبر بحال من الأحوال عن الشعر الحقيقي الذي يولد ليعيش ويكبر في ذاكرة المتلقي، يكبر، يكبر، حتى ليظن أنه أصبح جزءاً من كيانه أو ظلاً لن يفارقه إلاّ بالموت!.
هنا أتذكر مقطوعة شعرية لا يمكن أن تموت في ذاكرة قارئها أبداً...، المقطوعة بعنوان "خيانة" من قصيدة "مرثية ظل" لعبدالله الوشمي، يقول فيها:
صديق الحياة
ولكنه لا يحب الممات
معي في الطريق وفي لحظة
الانتصار
وفي لحظة الانتقام
وفي لحظة الاحترام
ولكنه لا يحب الممات
يا ترى أين ظلي إذا
أودعوني التراب
وحاصرني
من جميع الجهات
يا الله...!. مثل هذا العذاب الوجودي النبيل لا تستطيع لغة أن تفجره هكذا في كلمات معدودات إلا لغة الشعر، ولا تستطيع كتابة فلسفته العميقة إلاّ روح شاعرة...، روح تبحث عن نفسها في ظلها...، تسم ظلها بالـ"خيانة" رغم أنها هي من فارقته...، هي من أخذها الموت وسد عليها التراب جميع الجهات ولم يدع لظلها موضعاً!.
ترى...، هل تمنى الوشمي أن يكون هو الظل الذي يحب الحياة ولم يستطع الموت أن يخطفه...؟!، هل وسم ظله بالخيانة لأنه تخلى عنه في رحلة الموت، أم لأنه لم ينجه معه مثلما استطاع هو أن ينجو...؟!، أم ترى هو العتاب لكل من يرافقنا في السراء، وفي الضراء يختفي؟!.
كل هذه التأويلات التي تحتملها هذه المقطوعة الشعرية الآسرة، تؤكد أن الشعر ليس مجرد كلام موزون مقفى، أو كلمات منثورة يجملها صاحبها بـ"الحداثة"، وإنما الشعر هو ذلك الكائن الذي يضرب بجناحيه في فضاء الروح فيمدنا بالمزيد من الحياة، بحلوها ومرها، بقلقها وطمأنينتها، بصخبها وهدوئها، بأسئلتها وعجزنا – ربما – عن مجاراتها، إنه النبض الذي لا يتوقف، أو الظل الذي فارق بدن الوشمي ليعيش في كلماته!.