لا يكاد يخلو أحد إلا وقد مرَّ أو سمع ببعض المشاكل التي يعاني منها الناس فيما يتعلق بالسكن الإيجاري، سواء من جهة المؤجِّرين أو المستأجرين. فالمؤجر أو المالك يشتكي من تأخّر أو تلكُّؤ المستأجرين في دفع الإيجار، أو من إتلافهم لبعض مقتنيات البيت مع عدم التعويض خاصة عند الإخلاء، أو من عدم إخلاء المستأجر للبيت في الموعد المحدد مع طول إجراءات الإخلاء بالقوة من قبل الجهات المختصة، والكثير من المشاكل. كما إن المستأجر يشتكي هو الآخر من تسلّط بعض الملّاك وتدخّلهم في الكثير من خصوصيات المستأجر، أو من عدم الصيانة، أو من رفع الإيجار بشكل مجحف، وغير ذلك. وهناك العديد من القصص والعجائب التي تحصل من قبل الطرفين وفي طريقة علاجها.

كما إن تعدد صياغة عقود الإيجار أدّى إلى الكثير من المشاكل أيضا، حيث يفرض من خلالها بعض الملاك بعض الشروط المجحفة على المستأجرين أو يعفون أنفسهم من بعض المسؤوليات التي عليهم، مع عدم وجود نظام يمنع وينظِّم ذلك، الأمر الذي قد يُفضي إلى الظلم للمستأجرين غالبا. وبالمناسبة؛ فإن الشريعة قد وضعت الكثير من الضوابط فيما يتعلق بالشروط في العقد، ومنعت مثل الغرر والغبن والظلم للمتعاقدين، ولكن تناثر هذه الضوابط بين الكتب وعدم الاتفاق على بعض تفاصيلها يجعلها قليلة النفع في هذا المجال، ولو جُمعت وصيغت في نظام واضح وصدر بها مرسوم ملكي؛ لكان لذلك نفع عظيم، وجعل التصور أكثر وضوحا بالنسبة للقضاة أولا، وبالنسبة لعموم المستفيدين ثانيا. وعلى سبيل الذكر في مجال الأنظمة التي قيّدت الشروط المجحفة؛ فقد وضع المشرع الإنجليزي مثلا، نظاما خاصا بالشروط غير العادلة في العقود (Unfair Contract Terms Act 1977)، كما أصدر تنظيمات أخرى خاصة بالشروط غير العادلة في العقود على المستهلك (the Unfair Terms in Consumer Contracts Regulations 1999)، وهذه المبادئ -بشكل عام- موجودة لدى فقهاء الشريعة منذ بزوغ الإسلام وهي متناثرة في كتبهم، ولن يعجز فقهاؤنا والقانونيون السعوديون من جمعها وإضافة ما هو مناسب ووضعها في نظام مستقل، كوننا أسبق تاريخا في هذا الأمر.

هذه المشاكل الكثيرة وغيرها التي يعاني منها الطرفان (المؤجر والمستأجر) لا يمكن حلُّها إلا من خلال إصدار نظام خاص بالسكن والإيجارات، الأمر الذي قد يُوفّر الكثير على الناس وعلى قطاعات متعددة من الدولة كالشُّرط والمحاكم وغيرهما، فبدلا من الرجوع إلى المحاكم مثلا في كل كبيرة وصغيرة في هذا الموضوع مع طول الإجراءات لأجل الحصول على الحكم ومن ثمَّ التنفيذ، يمكن من خلال النظام أن يُحسم الموضوع ويصبح العلاج من خلال الجهات التنفيذية مباشرة، مما يوفر الكثير من الجهد والتكلفة على الجهات الحكومية الأخرى، وكذلك على طرفي النزاع.

سبق أن مررت بموقف عندما كنت أدرس في مدينة أكسفورد البريطانية، وحصلت لي مشكلة مع مالك البيت الذي كنت أسكن فيه، حيث لم يُرجع لي التأمين الذي دفعته له قبل استلامي للبيت بعد إخلائه، عندها ذهبت ورفعت عليه دعوى في المحاكم وتم الحكم لصالحي من أول جلسة بإرجاع المبلغ كاملا، مع تعويضي ثلاثة أضعاف المبلغ بناء على نظام السكن (Housing Act 2004) مع تكلفة الدعوى ونسبة فائدة 8% لكل سنة ماطل فيها المالك، ولو كنت استعنت بمحامٍ لتمّ تعويضي بتكلفته. هذه العقوبة الصارمة تجعل جميع الملاك لا يخطر على بالهم ولو مجرد محاولة للاستيلاء على مبلغ التأمين الخاص بالمستأجر (حيث يُلزم النظام هناك بدفع مبلغ تأميني، كما يُلزم المؤجر بإيداعه لدى إحدى المؤسسات الخاصة باسم المستأجر) مرة أخرى طالما أنه لا يستحقه!

ننظر مثلا إلى دولة مجاورة وهي دولة قطر، حيث يوجد لديهم قانون خاص بشأن إيجار العقارات، نظّم الكثير من القضايا، وحدّد الكثير من المسؤوليات، سواء كانت على المؤجر أو المستأجر، وحسم الخلاف فيها، مما يساعد على سرعة المعالجة للمشاكل عند وقوعها. كما شكّل النظام المذكور لجنة لفضّ المنازعات الإيجارية، ومكتبا لتسجيل عقود إيجار العقارات، كما حددت المادة العاشرة منه الإجراءات اللازمة في حين رغب المؤجر زيادة الإيجار. وهذا النظام وإن كان يُلاحظ عليه العديد من جوانب النقص والملاحظات (خاصة إذا ما قورن بأنظمة الدول المتقدمة مثل النظام الإنجليزي الآنف الذكر) إلا أنه يُعد خطوة مفيدة جدا نحو الاتجاه الصحيح لحل مشاكل الإيجار.

هذه أفكار متناثرة ربما تُسهم في إيجاد حل لتلك المشاكل التي تعاني منها شريحة كبيرة من الناس.