كل رمضان والأمة موعودة بجدل حول الفن ، يشتعل على حواف جراحها ، يتغذى من الآيدلوجي، ليجبر أو يدفع معظم العاملين في حقل الدراما للاكتفاء بسفاسف الأمور ، والاستغراق في ( التهريج) درءاً للملاحقة والقيل والقال . هذا العام ربما طغى الجدل حول مسلسل محمود درويش ، وهو جدل طابعه سياسي معرفي أكثر مما هو ايدلوجي ، كما هي الحال مع دراما ( الحسن والحسين) الذي يفترض أن تكون منطلقاته التنفيذية مدونات تاريخية بالدرجة الأولى قبل تدخل الرؤية الفنية . لكن واقعنا ومنذ سنوات ولالتباس الايدلوجيا بالفن ، لا يتيح لرؤية كهذه أن تنمو في عالمنا لتنتج فناً وكفى.

للمدونة التاريخية أهمية سواء كانت رسمية أم نخبوية ، أتكلم بما هو خاص جداً، وبما يمثل قناعاتي الفردية بأن ما يسمى ( المدونة التاريخية)، يمكن توظيفه فنياً ، بتقويضه أولاً . فإذا كنا نؤمن بأن التاريخ البشري، ما هو إلا دورات متعاقبة، متكررة متشابهة، لا تختلف إلا في التفاصيل والميكانيزم فقط، علينا الانطلاق من الإيمان بحقنا في التعاطي معها - المدونة التاريخية - بشك، ومن هنا تنبث لحظة الإشراق باستلهامها في الفن، سواء رواية أو سينمائياً أو دراما تلفزيونية ، أو نصاً مسرحياً، بغية تأمل الظاهرة التاريخية بعمق وحياد تامين، وتحليلها، وبالتالي قياس تحولات الوعي الإنساني، في سعيه الأزلي نحو اليوتوبيا، حلم الإنسان الأكبر في العيش والحياة.

في تصوري إن مفهوم ( المدونة التاريخية) ليس مستقراً في حد ذاته أصلاً فعن أي مدونة تاريخية نتحدث ؟ الرسمية التي دونتها آليات السلطة بكل تداخلاتها، أم النخبوية التي أنتجتها نخب معينة، مرتبطة مباشرة أو غير، بتلك التداخلات في سياقاتها كافة، سياقات اقتصادية وسياسية واجتماعية محددة، بالضرورة أثرت في تعاطيها مع التدوين، ما يعطى منطق الشك فيها والريبة منها مستنداً تبريرياً رائعاً. أم أننا نتحدث عن المدونة المختلفة في تفاصيلها تبعاً لتباينات الرواة؟ ثم ماذا عن المدونة الشخصية، فلكل منا، لكل إنسان ( مدونة تاريخية شخصية، بل وشخصية جداً) . وماذا عن المقدس من ( المدونات التاريخية)؟

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت في العالم العربي تجارب كتابية كان من رموزها ( إبراهيم المويلحي ) وابنه محمد وعبد الله النديم وانطوان فرح وفرانسيس المراش وخليل الخوري وجورجي زيدان الذي – طبقاً لجابر عصفور - خاض الرواية التاريخية سنة 1892 في اتجاه عرض تاريخ التمدن الإسلامي في روايات تضع التاريخ وأفكار الاستنارة في وعاء من القص، قص تتلمذت عليه الدراما التلفزيونية والسينمائية ، فكانت عشرات السيناريوهات لأفلام ومسلسلات ، تمتاح من المدونة التاريخية ، وبلا ضجيج على نحو ما يرج الأمة رجا منذ نحو عقد من الزمان، ويسلمها للهباء.