قرأت قبل فترة تحقيقا صحفيّا نُشر في جريدة الحياة عن "روايات المقاولات". على غرار "أفلام المقاولات" التي نسمع عنها ذات الميزانيات الضعيفة المسلوقة سلقا؛ تُصوّر في أماكن معدودة وبإمكانيات فنيّة فقيرة وفي زمن قصير يواكب "أفلام الشوربة". شعار إحدى شركات النقل الذي يقول "دعْ القيادة لنا واستمتع بالرحلة" ينطبق أيضا على هذا النوع من الروايات المدخولة النّسب.

بعض دور النشر المفتوحة الشهية على جيب القارئ وعلى فراشات الكتابة في السعودية، لا تنتظر مخطوطات روائية كاملة أو نصف كاملة أو ناقصة. لماذا الانتظار "ورزق الله على السِّيف". هاتِ الشخابيط والمهلهلات أو هاتِ الصفحات فارغة فهذا أحسن؛ مشفوعة بـ "الفلوس" وسيتكفل خبراء الطبخ الروائي في دار النشر بإنجاز الكتاب من بابه، وعلى المفتاح (!!).

لماذا العناء.. لماذا السهر..

لماذا التفتيش عن أفكار أو عن شخصيّات..

لماذا التدقيق بحثا عن أسلوب خاص في الكتابة؟..

كنْ خليَّ البال من "لماذا" وأخواتها، واهنأ بالسلامة والراحة!!

شخصيا لا أستغرب أو أشكك في "رواية المقاولات" أو "الكتابة بالإنابة" أو "التأليف من الباطن".. ولا أفترض النزاهة التامة والصحة الكاملة للمشهد الثقافي.التكوين الاستهلاكي الذي طبع المشهد الاجتماعي والاقتصادي في مجمله، لا مفرّ من انسحاب ظلاله على المشهد الثقافي، والعلمي أيضا. ألم تنتشر في الثمانينات موضة "دكتوراه صيف" من القاهرة والإسكندريّة، وما تزال الموضة سارية ولكن في جميع الفصول ومن أكثر من عاصمة ومدينة؛ عربيّة وأجنبيّة!!

الحسّ الاستهلاكي يجعل الأفراد والجماعات في حالة انجذاب تام نحو السلع، وفي وضعيّة الشراهة لاقتناء كل جديد يظهر في السوق مسبوقاً بزخّات إعلانيّة تغري بالكمال والجمال على نحوٍ تتحوّل فيه القيمة من الداخل إلى الخارج. قيمة المرء، وجاذبيّته ليست في صفاته الإنسانية، بل تكمن في عديد السلع التي يقتنيها؛ وفي ذلك فليتنافس المستهلكون.

الكتاب باعتباره سلعة لن يشذّ في هذا العصر الاستهلاكي، فما دامت السوق تطلبه وتستوعبه؛ فلا تهمّ الطريقة التي يصل بها إليها. الانتهازيّون والنفعيّون من بعض دور النشر يسهّلون الدرب أمام الذين تنقصهم الموهبة ويتعشّقون الضوء، وفي الوقت نفسه يدفعون المال لقاء صناعة الاسم وتعويمه في فضاء الكتابة.

"روايات المقاولات" وإنْ أخذتْ حظا من الذّيوع والانتشار والتدوير في السوق الاستهلاكيّة، إلا أنها محكومة بقوانين هذه السوق والتي من أهمّها " قصر دورة حياة السلعة".

الزّبَد يطفو ويذهب.