منذ بداية هذا العام، حتى تاريخه عاشت المنطقة العربية أحداثا كبرى، غيرت صورة المنطقة بشكل لم يحدث له مثيل منذ نهاية الحرب الكونية الثانية. تغير النظام السياسي في تونس ومصر. وعند كتابة هذه المقالة، بدأت تلوح نهاية المعركة في ليبيا، بعد أن دخل الثوار مدينة طرابلس، وأعلن رئيس المجلس الانتقالي، اعتقال سيف الإسلام وتسليم محمد الابن الأكبر للقذافي نفسه للثوار. والأزمة في اليمن وسوريا لا تزال تراوح مكانها. وعدد آخر من البلدان العربية، تتعرض لاهتزازات عنيفة تهدد أمنها واستقرارها.
وعلى صعيد الصراع العربي- الإسرائيلي، جرت خلال هذا الأسبوع تطورات خطيرة على الجبهة المصرية، حيث قام الكيان الصهيوني باختراق حدود سيناء، وقصف مواقع مصرية، كان من نتيجتها استشهاد عدد من الجنود، تحت ذريعة ملاحقة المقاومين الفلسطينيين الذين نفذوا عملية إيلات. ومن جانب آخر، أعلنت حركتا حماس والجهاد الإسلامي، أنهما لم تعودا تتقيدان بوقف إطلاق النار، لأن الكيان الصهيوني لم يلتزم بذلك وواصل اعتداءاته على قطاع غزة.
لقد مضى على التحولات التي تجري بالوطن العربي، قرابة ثمانية أشهر، وخلالها اجتمع مجلس الأمن الدولي عدة مرات ليناقش الأوضاع في ليبيا واليمن وسوريا، واتخذ قرارات أدت إلى توجيه الأحداث، وفقا لمصالح الدول الكبرى ولأجنداتها السياسية.
فلم يكن لثوار ليبيا، أن ينجزوا مشروعهم في إسقاط نظام العقيد معمر القذافي، لو لم يصدر مجلس الأمن الدولي قراره بحماية المدنيين الليبيين. فذلك القرار هو الذي استخدمه حلف الأطلسي كتفويض أممي له بالقضاء على القوة العسكرية وتدمير البنية التحتية لليبيا، مما عبد الطريق لقوات الثوار لتحقيق برنامجهم، والتقدم بثبات بعد ستة أشهر من القتال، نحو العاصمة طرابلس، وإسقاط النظام.
مارس الاتحاد الأوروبي دورا مماثلا، لما قام به مجلس الأمن الدولي، من حيث مراقبته ومتابعته للأحداث واتخاذ قرارات عدة، تتسق مع مصالحه واستراتيجياته. صدرت قرارات من الاتحاد بتجميد أموال مسؤولين ليبيين وسوريين. وكانت له مواقف واضحة تجاه ما جرى في تونس ومصر واليمن.
وحتى فيما يتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على مصر، نعلم أن المجلس العسكري، قد اتخذ قرارا بطرد السفير الإسرائيلي من القاهرة، واستدعاء سفير مصر من تل أبيب. وحسب ما تناقلته الأنباء فإن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أبلغا المجلس العسكري، أنهم يعتبرون القرار المصري خطوة من أعمال الحرب، وأن إصرار القيادة المصرية على طرد السفير الإسرائيلي من القاهرة سيؤدي إلى إلغاء اتفاقية كامب ديفيد، بما يعني إنهاء اتفاق السلام وعودة حالة الحرب بين مصر وإسرائيل.
لقد أدى الموقف الأمريكي المتشدد تجاه ردة فعل الحكومة المصرية، التي لم تتجاوز اتخاذ خطوة دبلوماسية، لا تتعدى ممارسة مصر لحقها في تأكيد سيادتها على أراضيها، وأيضا حقها في الدفاع عن النفس المنسجم مع نصوص القوانين والمواثيق الدولية، إلى إجبار المجلس العسكري المصري للتراجع عن قراره آنف الذكر.
كانت النتائج أن تصاعدت حركة الشارع المصري، مطالبة بالانتقام، واتخاذ خطوات عملية لمعاقبة الإسرائيليين على جريمتهم. وتطورت الأمور فيما بعد، لتصل حد الاعتصام أمام السفارة الإسرائيلية بالقاهرة والمطالبة بإغلاق السفارة، والثأر لكرامة الشعب المصري، وللدماء التي سالت بسبب العدوان الهمجي الصهيوني. ومصر لا تزال حبلى بالأعاصير.
في كل هذه الأحداث بقي دور جامعة الدول العربية، مفتقرا إلى المبادرة. وباستثناء الاجتماع الذي عقد في القاهرة بناء على دعوة مجلس التعاون الخليجي، لمناقشة الأوضاع في ليبيا، وتقديم توصية برفع الأمر لمجلس الأمن الدولي لم يحدث أن اجتمع مجلس جامعة الدول لمناقشة التطورات الخطيرة التي تأخذ مكانها في عدد من البلدان العربية.
وحتى المرة الوحيدة التي اجتمع فيها مجلس الجامعة لمناقشة الأوضاع في ليبيا، بناء على اقتراح من مجلس التعاون الخليجي، ورفع الأمر إلى مجلس الأمن الدولي، كما أسلفنا،، فإن كثيرين اعتبروا هذه الخطوة تنصلا من الجامعة من تحمل المسؤولية تجاه ما يجري في ساحة يفترض أن تكون ضمن اهتماماتها.
لقد عقد القادة العرب، قمما عربية استثنائية، في حالات عديدة، كانت أوضاع الأمة فيها ليست بهذا المستوى من الصخب، ولم تكن فيها احتمالات العدوان والتفتيت والاحترابات الأهلية ماثلة أمامنا كما هي الآن. وليس من المعقول أن تكون اهتمامات الدول الكبرى والمؤسسات الأممية أكثر من اهتماماتنا فيما يتعلق بما يجري ببلداننا العربية.
وينبغي أن يكون حاضرا في الذهن باستمرار، أن القوى الخارجية حين تهتم بما يجري في منطقتنا وتتحسب له، فإنها تنطلق من مصالحها الخاصة، وأجنداتها واستراتيجياتها، التي تقف غالبا بالضد من مصالحنا، وعلى حساب حريتنا وكرامتنا.
في هذا المنعطف الخطير من تاريخ الأمة، هناك حاجة ماسة للقادة العرب، أن يلتقوا في قمة استثنائية، لمناقشة قضايا الأمن القومي العربي الجماعي، وحماية الاستقلال، ووقف حالة التداعي والحيلولة دون تفتت وحدة الأقطار العربية، ومنع الاحترابات والفتن الداخلية، وإعادة الاعتبار للاتفاقيات والمعاهدات التي جرى تجميدها في العقود الأخيرة، وبضمنها معاهدة الدفاع العربي المشترك، والتكامل الاقتصادي.
إن عودة الحياة للعمل العربي المشترك، والاتفاق على عقد جديد، يضمن عودة الروح للعمل القومي، هي التي تجعل منا أمة قوية، يحسب لها حساب من قبل الأعداء والأصدقاء على السواء. إن اتفاق العرب على ترسيخ قيم الحرية والتسامح، هو الذي يعلي الكرامة الإنسانية، ويجعلنا جديرين بالحياة.