قاصٌّ كغيره، وكاتبٌ كغيره، إن لم يكن دون بعض "غيره"، بيد أنّه روائيٌّ قادرٌ على تحويل الفراغ إلى كوكبٍ آهلٍ بالأحداث، والقضايا، والأصداء، والقراءات، والرفض، والجوائز.

عبده خال القاص، لم يحدث فرقاً حقيقيّاً، يجعلُ العشبَ ينمو في الجهات المنسيّة من ترابنا الإبداعي، فمنذ "حوار على بوّابة الأرض"، و"لاأحد"، يمكنه أن يقول غير: "ليس هناك مايبهج"، فليست هناك مؤشّرات واضحة على ولادةِ "أدبٍ"، يغسلُ الوطنَ باللغة، ويقدّمنا بما يحقّق وجودَنا، كي تمتلئ صورةُ الفراغ التي هي صورتُنا في عيون الآخر القريب؛ ذلك العربي الذي يرى أنّ "أدبَه" يهيمنُ على الأرض العربيّة، بوصفه الممثّل الشرعي والوحيد للأدب العربي، واللغة العربيّة!

عبده خال الكاتب المقالي، يكتب، ويكتب، ويتقدّم وكأنّه يتأخّر، فلم يخرج عن السائد من القضايا والأفكار التي تتهافت عليها مقالاتُنا، كما تتهافت اليعاسيب على "قصعةٍ" مملوءة بالسكّر، ولم يستطع أن يستعيض عن أسلحتنا اللغوية التقليديّة، بألفاظٍ وتراكيب، تجعل نوافذ المتذوقين تحتفلُ بفجرٍ آخر، مختلفٍ عن الذي ألفناه وقرأناه حدّ السأم.

أمّا عبده خال الروائي، فهو لايأكل من رغيف صاحبيه: القاص، والروائي، وإنما هو ثلثٌ ثالثٌ لا يمتّ لثلثيه الأوّلين بصلةٍ أسلوبيّة، ولا يشبههما في قدرته على الانقلاب على الأحزان والمشكلات والهموم والممانعات والشقوق والأخطاء المتراكمة واستمرار الحياة في غسقٍ دائم.

رواية عبده خال، هي حياتُنا، نعيشُ تفاصيلَها، ونفرُّ من انعكاسِها على مرآتنا اللغوية، فنرفضُها ونرفضُ كاتبَها، ثم نعود لنحياها حياةً أخرى، وكأنّنا نعيد إنتاجَ ما نريد فعلَه، ولا نريد أن يعتقله فنّان، فيثور الغبار علينا، ونحن كالعراة أمام مرآتِنا\الرواية، أو هي ـ كما يقول عبده خال عن "نحن"ـ: "كنغمة موسيقية منطلقة في الفراغ، وعندما تعتقلها عبقرية فنان فإن حضورها هو تقنين لحضور سابق"، ليس إلا، لكنّنا لا نحبّ أن نضعَ حروفَنا على ما نكره أن تطفر به الحقيقة عنّا، لأن الأهم ـ في وعينا ـ أن تكونَ حياتُنا التي نعرفها سرّاً ،كما نعرفُ وجوهَنا، في الجهةِ البعيدة عن أن نعرفَها جهراً.

عبده خال الروائي، صادقٌ معنا، ومعه، حين يقول لنا: هناك شقوقٌ في جدران جسدنا، توشكُ أنْ تتسعَ، وتتسع، حتّى يندفع منها الدم، فلا يمكننا ـ بعد ذاك ـ أن نعيد إليه خاصيّة التخثّر، لنردّ عليه بعنادٍ وعنفٍ عربيين أصيلين: نحن مهندسو التئام العالم، ومدائن أفلاطون، فأيّان هذه الشّقوق ياعبده؟

عبده خال الروائي، يقول ما يريد، سواء أعلمنا مرادَه، أم لم نعلم، وإن علمنا قلنا له: أيّان هذه الشّقوق ياعبده؟ فيرفض سؤالنا، ويحتجّ على رفضِنا، ويطلب منّا أن نخرجَ رؤوسَنا من الرمال؛ يرفض ويحتجّ بطريقتِه السرديّة الخاصّة، فيجعل رأي عامّتنا، أشبه ما يكون بـخطاب "مدير التحرير محمد العائش"، في: "الماء يسير باتجاه واحد"، حين خاطب الصحفي "يوسف الغالب" ـ بعد إطلاعه على تحقيق صحفي ـ آخذاً عليه مآخذ كثيرة، منها قوله: "البذاءة التي لم تتورّع عن ذكرها وكأنك تكتب في اللموند وليس في صحيفة محلية، كان يجب عليك مراعاة القيم والمثل التي ينطلق منها مجتمعنا، فمجتمعنا المثالي لن تعكر معتقداته مثل هذه الكتابات السخيفة والمبتذلة والشوهاء"!

عبده خال، هو "يوسف الغالب"، ولذا صار في الرواية المحلّيّة، شبيهاً بمن يمسك بإحدى يديه مصباحاً، يكشف به عن الأجزاء المعتمة من نسيجنا كلّه، بيد أنّ بعضَنا لا يريد أن ينكشفَ "وجهُنا"، فيشتم المصباح وحاملَه.

عبده محمد علي هادي خال حُمّدي "الآدمي"، قادرٌ على الاحتراق، والاحتراق، حتّى "يضوّح" علينا، ويكتبنا كما نحن في كلّ جهات الوطن؛ قادرٌ على ذلك لأنّه العارف بنا في غير جهةٍ، والخبير بما تحويه جلّ تجاويف القلب؛ فهو الجيزاني المولود، سنة 1962، بقرية المجنّة، الوادعة في الطرف الجنوبيّ الأقصى من تجاويف القلب، وهو من درَسَ المرحلة الابتدائيّة وبعضاً من المتوسطة في رياض القلب، ليتمّها وما يليها في عروس القلب جدة، حتّى حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية، من جامعة الملك عبد العزيز.

عبده خال الجنوبي، هو نحنُ، في كلّ الجهات، وهو نحن حتّى في مشروعاته التالية، إذ يتجه جنوباً ـ أحياناً ـ أو يذهبُ غرباً في تجلّياتٍ أخرى.

عبده خال الإنسان، ساخرٌ من كلّ الأشياء، لكنّ سخريتَه "العفويّة"، في هيئتِها الخارجيّة، ليست عفويّةً في جوهرِها، وإنّما هي نقْدٌ وكشْفٌ وقضايا.

عبده، لا يستسلم للموت القادم في جلباب "السكّر"، ولا يدع جسده يتطاير بين إغماءةٍ وأخرى، فيحمل في "جيبه" "الأنسولين"، ويمضي مؤمناً بأنّ الحياة، لا تكون حياةً إلا بالمزيد من الإبداع، والإبداع.. يمضي قائلاً: "كلنا خالدون، كلنا ميتون؛ خالدون في فراغ، وميتون في فراغ آخر".

المثقّف عبده خال، يصيب كبد المبادئ كثيراً، ويخطئ التقدير أحيانا، فيسجّل موقفاً خاطئاً، في زمنٍ خاطئ، ليصير الموقف ـ على الرغم من حسن النيّة ـ شبيهاً بالمزايدة التي لاتليق به، ومن ذاك رسالته النصّيّة المشهورة التي أعلن من خلالها، مقاطعتَه لمعرض الكتاب، محتجّاً بالمنع والحجب وتدخلات المحتسبين.

ومهما يكن من أمر؛ فعبده الروائي ظاهرة خاصّة، منذ العناوين التي جرت مجرى الأمثال، فأصبحنا نردّد: "ليس هناك مايبهج"، في مواقف كثيره، ومعها "الأيام لا تخبئ أحداً"، حتّى ارتفعت رؤوس الجماعة بإبداعه الفرديّ في "ترمي بشرر".