منذ بداية القرن العشرين؛ والعالم الإسلامي والعربي خصوصا يعاني من الهزائم المتتالية في مناطق شتى من جسمه الضعيف، وبعد ما أضافه القوميون الثوريون من هزائم أخرى في الرصيد المتراكم من الصدمات والأحداث؛ أثّرت بلا شك في تكوين النفسية العربية والإسلامية، وفي مثل هذه الظروف الساخنة التي يشيع فيها الإحباط والتشاؤم، يصبح الفكر الثوري ملاذا ورديا لكثير من التيارات التي تريد أن تخرج إلى السطح، حيث تستثمر هذا الوضع النفسي الذي يعيشه الناس، وتستميلهم بمعاني الثورة الجذابة وبوعود الفجر الجديد الذي يركضون وراءه.

ولكن؛ بالنظر والتفحّص لكل تلك الحركات ـ ولا أعني في كلامي هذا ثورات الشعوب العربية الأخيرة إطلاقا، حيث من الواضح وبجلاء أنها ليس لها انتماء إلى تيار معين ـ وما حققته من نتائج في تلك الفترة، نجد أنها لم تستطع أن تحقق شيئا، بل كثيرا ما تنتهي بنتائج عكسية على نفسها والبلد بشكل عام. ودائما ما يصاحب الفكر الثوري ـ سواء من الحركات الإسلامية أو القومية أو غيرها ـ الانغلاق وانسداد قنوات التعقّل وتقبّل الآخرين، مما يؤدي إلى تكالب الأعداء عليها وهي في مهدها! مثل ما حصل ـ على سبيل المثال فقط ـ للناصريين والبعثيين والإسلاميين في أفغانستان والشيشان وكذا أغلب حركاتهم في العالم العربي والإسلامي. وغالبا ما تتحول تلك الحركات إلى دكتاتوريات جديدة، نظرا لطريقة بنائها وتكوينها الفكري، المبني ـ في الأغلب ـ على العواطف والأيديولوجيا، وليس على العقل ومعطيات الواقع والإمكانية!

بنظري؛ أن من أهم أسباب نجاح الثورات الأخيرة في العالم العربي، هو إعراضها أو انفصالها عن جميع التيارات القديمة، ذات الفكر غير المتجدد، حيث تبقى غالبا سليبة ذلك الفكر وتاريخه أكثر من حرصها على تحقيق أهداف نبيلة وسامية لمصلحة الجميع، وهم الآن ـ أعني الثوريين القدامى ـ يسعون جاهدين كلٌّ في جهته، أن يختطفوا تلك الثورات ويرموا بها في مشاكلهم وعقدهم القديمة.

في الحقيقة أنه ليس من مصلحة أي طرف الدخول في مواجهات وصراعات، مادام أنه بالإمكان التوصل إلى الحل بطريق آخر، والتاريخ المعاصر والتجارب الأخيرة أثبتت صحة هذا الكلام. لماذا لا تركز تلك الحركات الثورية على البناء وإحياء مبادرات لحل المشاكل المعقّدة والمتراكمة في مجتمعاتها بدلا من إذكاء صراعات جديدة؟! فالمجتمعات العربية كغيرها من الشعوب لديها الكثير من الانقسامات الداخلية التي تراكمت مع الزمن، وربما كانت مبنية على جذور عرقية أو قبلية أومناطقية أو طائفية، وهذه الانقسامات تحتاج بشكل مُلحٍّ إلى معالجة وتوافق لأجل مصلحة الجميع. وكذا بالنسبة للأطراف الخارجية من شرق وغرب؛ لا أعتقد أبدا أن من مصلحتنا الانسياق خلف تلك الدعوات والحركات اللاهفة نحو المواجهة والتحدّي.

إننا في العالم العربي والإسلامي نحتاج إلى أن نطوي الصفحة القديمة وأن نفتح صفحة جديدة، نركّز فيها على مستقبلنا ومستقبل أجيالنا القادمة، وأن ننسى الماضي بما فيه من أحزان ومآسٍ، ونمدّ فيه يدنا لكل من يبادرنا بيده لأجل التعاون والإصلاح وتبادل المعرفة والثقافة. نحن لا نستطيع أن نعيش وحدنا، بل نحتاج أن نشارك الآخرين في العلم والبحث، والتجارة والصناعة، وفي شتى نواحي الحياة، وهذا ما لا يتأتّى بشكل صحيح إلا بمبادلة الآخرين الاحترام والثقة، والحوار والتفاهم.

كم أحمد الله تعالى أن أيا من تلك الحركات لم تصل إلى الزمام في بلادنا، ولم تأخذنا إلى المغامرات والأوهام، بل كان العالم يحترق من حولنا ونحن نعيش ـ بحمد الله وفضله ـ في أمان ورخاء. هذا بلا شك بفضل الحكمة والتروّي التي يُعرف بها ولاة أمرنا رعاهم الله وسددهم إلى طريق الإصلاح والهداية. حاول الكثير جرّ البلد إلى نزاعات ومواجهات إلا أن الله تعالى حماهم وحمى البلد من شر أولئك الجهلة ـ في أقل أحوالهم ـ والمغرضين. نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بمزيد من الأمن والاستقرار، وأن يحمينا من شر الأشرار وكيد الفجار، والله المستعان.