الحضور الطاغي للمكان وإيحاءته الذهنية، يمثل دلالة قصوى في تجسيد الذات البشرية، فأنت لا تستطيع أن تعزل المكان والزمان عن سلوك الإنسان وموجوداته، وتحولاته، بل لا يستطيع الإنسان ذاته الانعتاق والفكاك من هيمنة المكان وسطوته وحركته. وقد تحدثنا في زاوية سابقة عن "الوقوف على الأطلال" وما يمثله ذلك النزوع الدرامي عند الشاعر العربي، بحثاً عن السلوان وهروباً من الضيق والفجيعة. وكنا نظن أن أجدادنا من الشعراء في تلك العصور قد التصقت بهم تلك القيمة التعبيرية والانصهار مع الطلل والبكاء عليه، ولكن القارىء لشعراء العصر يلمح ذلك الطلل، ويحس تلك الخلجات التي تدور في فضاء المعنى ذاته: استمع إلى عمر أبو ريشة، وهو يقف أمام صرح روماني قديم: قفي قدمي إن هذا المكان يغيب به المرء عن حسه. رمال وأنقاض صرح هوت أعاليه تبحث عن أسه. أقلب طرفي به ذاهلاً وأسأل يومي عن أمسه. أكانت تسيل عليه الحياة وتغفو الجفون على أنسه. وتشدو البلابل في سعده وتجري المقادير في نحسه. أأستنطق الصخر عن ناحيته واستنهض الميت من رسمه؟ حوافر خيل الزمان المشت تكاد تحدث عن بؤسه. فما يرضع الشوك من صدره ولا ينعب البوم في رأسه. وتلك العناكب مذعورة تريد التفلت من حبسه. لقد تعبت منه كف الدمار وباتت تخاف أذى لمسه. هنا ينفض الوهم أشباحه وينتحر الموت في يأسه... إذاً لا يزال وسيبقى ذلك الارتباط المكاني في أغوار الذات، والتجربة المعاشة، ففي دراسة مستفيضة، وتحليل منهجي ومعرفي استرفد مباحث الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والانثروبولوجيا، قدم الدكتور حبيب مونسي بحثه العميق، فلسفة المكان في الشعر العربي، متحدثاً عن المكان وحضوره في صميم المعمار الشعري، في قراءة تعطي للمكان حياة يتعذر على النظرة العجلى استكناه أسرارها " فالمكان يلامسك ويخالطك فتتخللك مشاعر وأحاسيس ما بين الضيق والاختناق، وقد تسري في أجسادنا قشعريرة الخوف الغامض، والتقزز المحرج، ونحن ندخل أماكن تواجهنا أول مرة بما يملأ صدورنا توجساً وخشية، كما أننا قد نشعر بالعظمة والهيبة وضآلة النفس في مواطن يعمرها الجلال والجمال". وقد تحدث الدكتور مونسي عن الطلل كمكان ومفهوم الاشتمال، وحركة الانصراف والانفصال، والاتصال والإطار الخرافي الأسطوري للمكان والتجلي والجمالي فيه، والفضاء المادي والمعنوي، والدال والمدلول، والمكاني والزماني، ونص التضاد، والحضور والغياب للمكان. وغيرها من الموضوعات المنبثة في الفصول الثمانية. حيث بدأ الفصل الأول بقصة الأعرابي الذي رأى ابناً له يختط منزلاً بطرف عصاه فدنا منه، وقال: "أي بنيّ إنه قميصك فإن شئت وسعّت، وإن شئت ضيّقت"، وفي حركة الأعرابي تلك جملة من الحقائق المرتبطة بفلسفة المكان.