هذا الفوتوغرافي، حكايةٌ يجب أن تُروى، مهما طالت، ولذا نبدأ من البدايات الأولى، كي نحسن اكتشاف الشخصية، أو نفهم الفارق بين أن تكون الحياةُ مهيّأة، تهبُ الإنسانَ دروباً كثيرةً إلى ما يريد، وبين أن تكون جدْباً وتحدياً يهبُان الإنسان النكهة الحقيقية للنجاح.

الفوتوغرافي "العالمي" خالد خضر ـ كما يحبّ محبّوه ـ أشفق على والدته التي كانت تسهر الليل، لتنسج السعف، ثم تكدح نهاراً لتبيعه، ففكر في البحث عن حيلة لهذه الحياة، وليس أمامه سوى أن يبحث عن عمل.

أخذ يجوس خلال أزقة الطائف، باحثاً عن عمل، وأيّان يجد طفلٌ عملاً؟ لكنه واصلَ السير، قائلاً: هل عليّ أن أشقّ القمر، كي تمد النجومُ يديها إليّ؟ وفيما كان الطفل ينوي الاستسلام، دلف إلى أستوديو تصوير صغير، يملكه يمنيٌّ اسمه أحمد العقلي، وطلب ـ ببراءة طفل ـ أن يعمل مصوراً! "حتة وحدة".

يقول خالد: "إصراري جعله يوافق على أن أعمل لديه، وأعطاني راتباً قدره 50 ريالاً شهرياً، فرحت به كثيراً، وعملت لديه في تنظيف الأستوديو، حتى تأكد من جديتي وحبي للكاميرا، حينها أخذ يعلمني".

هذا هو البدء الأول لخالد الذي صار اسماً على رأس القائمة في فنّه.. أليست هذه كافية للدلالة على أن الأحلامَ الأولى، تنطلقُ مما يستطيعه الإنسان أولاً، ثم تتحوّل ـ بالحبّ ـ إلى طبقاتٍ متراكمة من النجاحات.

هذا هو الفوتوغرافي "العالمي" خالد خضر، الذي يرصدنا منذ أربعين عاماً؛ بدأ عاملاً "بسيطاً" في أحد أستوديوهات التصوير الفوتوغرافي بمدينة الطائف، حيث تعرّف على فتاته ذات العدسات، فأحبّها برغم رفض أسرته لها، لعجزهم عن دفع مهرها، بل إنهم كانوا في حاجةٍ إلى من يعينهم على الحياة، لكنّه يريدها ولن يحول بينه وبينها العدم.

عقد القران عليها بمهرٍ يساوي ثلاثة أضعاف راتبه، واشترى أحلامه وحبّه ومستقبله بمئة وخمسين ريالاً، غضبت والدته بشدة، وضربته بعنف، فالكاميرا هدرٌ لاتحتمله الحال، والقوتُ مقدّمٌ على الحب، وقررت إعادة ذات العدسات إلى أبيها، لكنّ أباها كان عليماً بالحب، فرفض استعادتها، وقرر أن يخصم على العاشق خالد بعضاً من ثمنها كل شهر.. على الرغم من أن الأمّ مازالت مؤمنة بأن "العيش" أهم من الكاميرا.

إنها لحظة الفرج، فقد بات خالد يمتلك "كاميرا"، فأتقن التصوير خلال ثلاث سنوات، ثم تتهيأ له في بيئة العمل الفرصة الملائمة، إذ التحق بـ "الخطوط السعودية"، سنة 1967، ليعمل ملاحاً، فيكتشف رؤساؤه قدراته الفنية، ويجعلونه مصوراً لـ "الخطوط"، بل ويُبتعث إلى بريطانيا لتطوير أدواته في فنه، ثم إلى جامعة أميركية متخصصة، أمضى بها أربع سنوات، لتصبح الموهبة تخصصاً أكاديميّاً.

عدسة خالد خضر، هي تاريخنا التنموي؛ فقد أسهمَ في جميع معارض "المملكة بين الأمس واليوم"، ومعارض "الحرمين الشريفين"، ليؤرخ بعدسته ما كان عليه الحال، مضيفاً إليها ما آلَ إليه، جاعلاً من الصورة سرداً تاريخيّاً، حيثُ يخبّ في سهول التحوّلات، ليعتقل اللحظات الشاردة، ويخلّد مالا تستطيع اللغةُ أن تفقهه.

أرشيفه الفوتوغرافي الضخم يحوي مليوني صورة، أو مليوني لحظةٍ زمنيّةٍ معتقلة، يضمها بيته الذي تحول إلى مركز فني ضخمٍ، من حيث قيمة ما يحويه، حتى بات معلمًا من معالم "العروس"، وهو يصفه بأنه أكبر أرشيف شخصي في العالم.

مازال خالد خضر مؤمناً بأنّ "الأبيض والأسود" يكتنز ألواناً تفوقُ أيّ "ملوّن"، ويقول: "عندما تتأمل اللون الأسود تلاحظ درجات ألوان مختلفة أكثر من اللون"، وحُق له ذلك، لأن التفريق بين الموجودات والمخلوقات والمتضادات والنظائر، لايكون إلا من خلال القدرة على التفريق بين "الأبيض"، و "الأسود"، وما بينهما من درجاتٍ مشتبهات.

خالد خضر، لا يتبرّم من شيء، ولا يخون ذات العدسات، بالنظر إلى ذواتِ أشياءٍ أخرى، بل إنه يسمع ضجيج "الديجتال" فلا يبالي، ويواصل احتضان الكاميرا، وإقامة المعارض في أرجاء الأرض، مفضّلاً الصور التي التقطها لمكة المكرمة والمدينة المنورة، ومعيداً الفضلَ ـ في زمنٍ جاحد ـ إلى ذوي الفضل عليه، وهم ـ عنده ـ ثلاثة: معلمه الأول اليمني أحمد العقلي، ومحمد سعيد فارسي أمين "العروس" الأسبق، وأحمد مطر مدير "الخطوط السعودية" الأسبق.

ويبقى خالدُ يسطّر اللحظات فوق اللحظات، منذ "احتراق الفيلم"، بسببِ حفنةٍ من ضوء متسلّل، إلى "جرّب، وجرّب فذاكرة الديجتال كبيرة".. يبقى لأنه باقٍ على إخلاصه لحبّه الأول، ولأنه أول الأسماء التي عانقت أسماعنا، كلّما ذكر لنا أحدٌ شيئاً اسمه "فن التصوير الفوتوغرافي".