في هذه الليالي الوضاءة بنور القرآن، العطرة بأنفاس الصيام .. ليالي السكينة والصفاء، وإقبال النفوس على الطاعات والتضرع إلى خالقها، ترجوه أن يمحو عنها أدران الخطايا، ويتجاوز عن عثرات الطريق، ويبعدها عن حبائل الشيطان ووساوس أبالسة الجن والإنس.
في هذه الليالي يتسابق المؤمنون إلى فعل الخيرات والطاعات، مخبتين، متضرعين إلى بارئهم، راجين عفوه، طامعين في مغفرته، مؤملين رحمته.. تراهم يتبارون في مضمار البر والإحسان والبذل، يتصدقون بفضل بأموالهم ويؤدون حق الفقراء والمساكين، ويتفقدون أحوال ذوي الأرحام الأقارب، يجددون الصلة بهم لعل الله يرحم الواصلين ويغفر للقاطعين.
يشترك في هذا السباق "الموسمي" الكبار والصغار، النساء والرجال، السابقون بالخيرات والظالمون لأنفسهم.. الكل يرجو رحمة الله، ترتفع الأصوات وتختلط العبرات، وتلهج الألسنة بالدعاء، وترتفع الأكف إلى السماء، ضارعة خاضعة تسأل العفو وترجو المغفرة وتستمطر الرحمات. يكثر المصلون والمعتكفون في المساجد، تسمع دويهم ودعاءهم ورجاءهم وابتهالهم ونشيجهم.. لا يفترون عن الإلحاح في طلب العفو والمغفرة، وحين يقول الإمام: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.. تتعالى الأصوات وتختلط همهمات التضرع والبكاء، وتسيل الدموع، وتتوحد الأصوات آمين.. الكل يرجو الإجابة، ويطمع في عفو القدير المتفضل.. الكل تجتاحه حالة من الورع والخشوع والتذلل والأوبة إلى الله، تخفق القلوب، وتلتهب الجوانح رهبة ورغبة إلى بارئها، لعل لحظة رحمة تهبط على الجميع في ساعة إجابة.. الكل يطمع في التجاوز عن سيئاته، ومحو خطيئاته، وغفران زلاته..
وهذه الصورة تتكرر كل عام في هذه الليالي الكريمة، وتمتد لتشمل فئات المجتمع كلها، فهل فكر أحدنا وتأمل في سلوكه ورصد تصرفاته مع من ظلمه وقاس مساحة "العفو" في حياته؟ هل تأمل أحدنا معنى "إنك عفو تحب العفو"؟ إذا كنا نسترحم رب العباد وندعوه ليعفو عنا لأنه يحب العفو فهل نحن نحب العفو؟ وهل نحب العفو لأنفسنا ولا نريده للآخرين؟ وهل نستشعر معنى أن يفعو المقتدر في لحظة قوة؟ وماهو أثر ذلك على المعفو عنه؟ وإذا كنا نحب العفو ونلح في الدعاء، ونتضرع إلى المتفضل الكريم أن يعفو عن أخطائنا وما يعلمه من سوء بواطننا وقد ستره عن خلقه، فهل نمنح ما نحبه للآخرين؟
نحن لا نمل – وهذا مطلوب مرغوب فيه – من الرجاء والأمل في عفو خالقنا، ونستعطفه بما يحب.. وندرك أنه سبحانه يحب العفو، لكن لا نعطي لهذا الحب ما يقتضيه من بذله للآخرين. هل يتأمل الناس حاجتهم للعفو ورغبتهم فيه وإلحاحهم على صاحب العفو وينظرون ماذا هم فاعلون لمن يطلب العفو منهم؟ الذي يرى ويسمع هذه الجموع الغفيرة – الكبير والصغير، المرأة والرجل، وهم يتضرعون إلى الله أن يعفو عنهم، ويرى ما يجري في المحاكم ومراكز الشرطة وأماكن التقاضي يشعر بالضيق لما يراه من تناقض.. في المساجد ودور العبادة يسجد المصلي إلى جوار من لا يعرف وليس من جنسه ولا لغته، فيشتركان في "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا" وتراه مع أخيه وأخته وابن عمه وخاله وعشيرته وجيرانه وأهل وطنه في شقاق وقطيعة، تصل بهم إلى التحاكم والتقاضي بسبب ما، يمكن أن يحل داخل دائرة القرابة والصداقة والجيرة.. لو استحضر الناس معنى "العفو" الذي يتباكون في هذه الليالي للفوز به لكان حالهم أحسن مما هي عليه، ولكانت العلاقات بين أفراد المجتمع أكرم وأطيب وأنفع. وهذا التناقض المشاهد في الفرق بين إلحاح الناس في طلب العفو، وبين قدرتهم على منحه للآخرين، يدل على "نقص" الإحساس بمعنى العفو ودلالاته وموجباته وثمراته. فالإلحاح في طلب العفو من الودود الكريم إذا لم يترجم إلى سلوك في التعامل مع الناس فسيظل "خارجيا" لا يمس شغاف القلب، ولا يصحح ما نرتكبه من أخطاء ما نلبث أن ندرك أننا في حاجة إلى "عفو" خالقنا.. هل يعني هذا التناقض أن "التدين" عند الكثير من الناس لا يؤثر في سلوكهم؟ ولماذا لا تتجلى معاني الدين وقيمه في علاقاتنا مع الناس، وتصحح نظرتنا إلى حقوقهم وواجباتنا نحوهم في لحظات "ضعفهم"؟ لماذا تكثر "مظاهر" التدين بين الناس وتتراجع قيمه في سلوكهم؟ هل العناية بالشكل والاهتمام بالمظهر والاحتفاء بمواطن العبادة "جماهيريا" شغل الإنسان عن "ترويض" النفس وإخضاع رغباتها ونزعاتها لمقاصد التدين التي من ثمراتها تهذيب السلوك وتوافق القناعات مع العمل؟
والسؤال: كيف نستثمر هذه الليالي الكريمة ومواسم الخير لنجعل منها "بداية" تصحح الخطى على طريق حصد ثمرات طلب العفو؟ من المسؤول عن استحضار "قيم" العفو وإخراجها من لحظات" التضرع" في مواسم الصيام إلى ساحة علاقات المجتمع؛ لتساعد على تقليل التوتر في العلاقات بين الناس، وتخفف تكلفة التقاضي على أمور يمكن حلها في دائرة العلاقات الإنسانية دون اللجوء إلى ما يورث الحقد والكراهية؟