دقت كريستين لاجارد، مديرة صندوق النقد الدولي، جرس الإنذار هذا الأسبوع، حين حذرت بأن السياسات المالية والاقتصادية للدول الكبرى تهدد بتراجع في الاقتصاد العالمي. وقالت لاجارد إن على تلك الدول أن تتخذ خطوات راديكالية وسريعة، لإخراج اقتصاداتها من "مرحلة الخطر" الحالية. وبدون ذلك فإن ثمة خطراً بأن تنحرف سياسات الإنعاش عن مسارها.
جاءت ملاحظات لاجارد في خطاب ألقته في مؤتمر لمحافظي البنوك المركزية، يُعقد سنوياً لمناقشة السياسات الاقتصادية الأميركية والدولية، في مدينة "جاكسون هول" في ولاية وايومينج الأميركية، ويحضره بالإضافة إلى المحافظين اقتصاديون من جميع أنحاء العالم. وغالباً ما يتابع الاقتصاديون باهتمام ما يدور في هذا المؤتمر، الذي ينظمه فرع البنك المركزي الأميركي في مدينة كانساس، ويُعقد في هذه المدينة السياحية الصغيرة الواقعة في لحف جبال التيتون الشاهقة وقرب غابة يلوستون العجيبة، ولكن اجتماع هذا العام حظي باهتمام خاص بسبب الظروف التي يمر بها الاقتصاد العالمي.
وكان لافتاً للنظر بصفة خاصة في اجتماع هذا العام اللهجة المباشرة والقوية في خطاب كريستين لاجارد، بعد أسابيع من توليها المنصب، بعد استقالة المدير السابق للصندوق، دومينيك ستراوس ـ كان، الذي اعتُقل وقتها في نيويورك بسبب اتهامه بالاعتداء على عاملة نظافة في الفندق الذي كان مقيماً فيه.
ولفت النظر خاصة اختلاف اللهجة بين خطابها وخطاب بن بيرنانكي، محافظ البنك المركزي الأميركي (مجلس الاحتياطي الاتحادي). فقد بدا برنانكي مستسلماً للأمر الواقع، وملقياً بالمسؤولية على الكونجرس لاتخاذ الخطوات اللازمة لإخراج الاقتصاد الأميركي من الركود الذي دخل فيه منذ عام 2008. ومعروف أن الكونجرس يسيطر عليه حزب الجمهوريين المعادي للرئيس أوباما، ويصر الحزب على ضرورة تبني سياسة تقشفية للحد من الدين الحكومي، دون اعتبار للآثار السلبية لمثل هذه السياسة على النمو الاقتصادي، وعلى سياسات مكافحة البطالة على وجه الخصوص.
وقد كانت الأنظار في بداية هذا المؤتمر مسلطة على برنانكي، لأن هذا هو أول حديث له بعد تخفيض التصنيف الائتماني الأميركي من قبل وكالة ستاندارد أند بورز، والصفقة التي أبرمها الرئيس أوباما مع الجمهوريين للسيطرة على الدين الحكومي. ولكن برنانكي، خيب التوقعات، ولم يعلن في كلمته التي ألقاها يوم الجمعة (26 أغسطس)، عن أي خطوات جديدة لإنعاش الاقتصاد الأميركي، وقال إن ذلك سيكون مطروحاً للنقاش في اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأميركي في شهر سبتمبر القادم، وكأنه يقول إن الأمر ليس مستعجلاً، أو إنه مسؤولية الكونجرس.
وبسرعة تحولت الأنظار إلى لاجارد، التي لم تقبل بهذا الموقف المستسلم، بل كانت حازمة وحاسمة، مشيرة إلى أن المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي في ازدياد، خلافاً لما يظن البعض. ولخصت في كلمتها التي ألقتها يوم السبت (27 أغسطس) الأزمة الاقتصادية العالمية بأنها أزمة ثقة، أي أن المواطن العادي لم يعد مقتنعاً بأن السياسيين والاقتصاديين قادرون على إدارة الاقتصاد بشكل صحيح، أو وضع سياسات تخرجه من المأزق الذي دخل فيه، ولذلك فهي ترى أن حل الأزمة لن يكون ممكناً دون استعادة تلك الثقة. ووجهت ملاحظاتها لصانعي السياسة الاقتصادية على جانبي المحيط الأطلسي.
ففي حديثها إلى الساسة الأميركيين، قالت لاجارد إن عليهم اتخاذ خطوات جريئة لإنعاش الاقتصاد والتخفيف من أزمة الإسكان التي ما زالت تعصف بالولايات المتحدة، وقالت إن عليهم تبني خطة مستقبلية "ذات مصداقية" لمعالجة الدين الحكومي الأميركي من جهة، ولكن دون الإضرار بفرص النمو الاقتصادي المطلوب لإخراج الاقتصاد الأميركي من أزمته.
وتشير لاجارد بذلك إلى معضلة محيرة يواجهها السياسي الأميركي. فالحديث عن ضبط الإنفاق ومعالجة الدين الحكومي المتزايد يتعارض مع الحاجة إلى زيادة الإنفاق لتحريك الاقتصاد الذي مازال يواجه تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية (التي بدأتها أميركا كما يجب أن نتذكر).
ولذلك، ففيما لو نجح الجمهوريون في فرض سياسة تقشفية بهدف الحد من تزايد الدين الحكومي فإن ذلك قد يؤدي إلى الغرق أكثر في وحل الركود الاقتصادي، وما يصحب ذلك من زيادة في البطالة وانحسار في خدمات الحكومة الأساسية، واحتجاجات اجتماعية ستضطر الساسة مكرهين إلى العودة إلى سياسات الإنفاق اللامسؤول.
وفي حديثها إلى الجانب الأوروبي، قالت لاجارد إن الأزمة الاقتصادية قد أظهرت عيوباً جسيمة في البناء الاقتصادي لمنطقة اليورو تجب معالجتها، خاصة في مجال السياسات المالية المشتركة التي يقوم عليها نظام اليورو. وهي هنا تعرف ما تقول، فقد كانت وزيرة للمالية في الحكومة الفرنسية حتى شهر يوليو من هذا العام، حين تركت منصبها لتولي إدارة صندوق النقد الدولي.
والأزمة الملحة الثانية في أوروبا، في نظر لاجارد، هي أزمة الثقة في النظام المصرفي، أحدثتها بلا شك الأزمة التي تمر بها اليونان وإيطاليا والبرتغال، والتي ستتعمق في حال لم تستطع تلك الدول سداد ما عليها من ديون في الوقت المحدد. وكان من رأيها أن ذلك يتطلب تعميق السيولة لدى البنوك لمواجهة ذلك التحدي، وإعادة الثقة في النظام المصرفي.
ورأت لاجارد أن هذه الأزمة تتطلب أن تقدم الحكومات الأوروبية العون لقطاعها المصرفي الذي يصارع مصيره، وتزوده بالسيولة التي يحتاج إليها لمواجهة انحسار الثقة فيها، الناجم عن أزمة الديون السيادية والتراجع في معدلات النمو ولمنع انتشار العدوى من البنوك الأوروبية الضعيفة إلى القوية. ولم تسلم الصين أو الدول الناشئة الأخرى من النقد في خطاب لاجارد، ولكن ذلك موضوع حديث آخر. ولكن يمكن القول إن خطاب لاجارد، التي تولت منصبها منذ أسابيع فقط، مؤشر إلى أنها ستتبنى طريقة مباشرة في متابعة مسيرة الاقتصاد العالمي، ولن تتردد في انتقاد سياسات الدول الكبرى، خلافاً لأسلافها في هذا المنصب. وهذا في حد ذاته سيساعد في احتواء الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدت حتى الآن مستعصية على الحل.