لا تخلو القنوات الفضائية العربية من السجالات الفكرية التي تُعرض بين الفينة والأخرى، وفي ذات الحال ما زالت الملاسنات الكلامية الحادة، وأساليب الصراخ والضجيج على قاعدة "اغلبوهم بالصوت" هي المسيطرة والطاغية في هذا المشهد، وما يستتبعها من المشاحنات، وتبادل الاتهامات، ومحاولة وإصرار كل طرف على سحق الآخر، واستفزازه عاطفيا، الأمر الذي يُعكر فيه صفو الحوار، ويمنع استمراره وتحقيقه لنتائج مرضية، ولعل بعض حلقات برنامج "ديوانية الدانة" على قناة الدانة الفضائية في شهر رمضان الكريم والذي يقدمه الإعلامي الأستاذ "رياض الودعاني" شاهدُ حي على ما نقول؛ حيث استضاف فيه الكثير من النخب الواعية والمثقفة في مجتمعنا السعودي، الذي أضحكني أنه في إحدى الحلقات وفي أجواء التشنج والانفعال، وفي محاولة من مقدم البرنامج في القيام بالتهدئة، فإذا بأحد الضيوف يقول: لا أدري لماذا تنزعجون من رفع الأصوات؟ ولا أدري هل انقلبت الموازين حتى أصبح الانفعال المتواصل أمرا محمودا؟ والتأجيج والصراخ أمرا مفيدا؟

هل أصبح الهدوء المستمر يتلف الأعصاب؟ إنني أتذكر هُنا قاعدة يذكرها علماء المنطق وهي مفادها أنه "إذا جُوز شيء أقوى فالأضعف جائز من باب أولى" فإذا كان هذا حال النخب فكيف بالجمهور! في المجتمعات المتقدمة يتحدثون عن فاعلية الحوار ليتحول لديهم إلى منهج حياة، وأسلوب معالجة، ووسيلة إثراء، فيتحقق التعاون، ويتوحد الصف، فلماذا يؤدي الحوار عندنا دورا عكسيا؟

إن المشكلة الأساسية هي عدم معارضة الرأي بالطريقة الحضارية اللائقة، ليس حتما أن يصل المتحاوران إلى رأي واحد، فقد يعجزان ويفشلان في الالتقاء، ويبقى كل منهما متمسكا برأيه، عن حق أو بدون حق، وهنا لا بد من القبول بالتعددية والاعتراف بوجود الرأي الآخر، لأن الدنيا تتسع للجميع، والحياة فيها حق مشترك، والحرية متاحة للبشرية جمعاء، هذه هي الإرادة الإلهية، فليس من حق أحد في الدنيا أن يصادر حرية الإنسان في الاختيار، حتى الأنبياء لا حق لهم في إكراه الناس على الإيمان، يقول تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)

معارضة الرأي على كثرة مُمارسيه، إلا أنها ثقافة لا يتقنها ولا يجيدها إلا القليل، كثيرٌ هُم من يعتقدون في نوازعهم الذاتية والداخلية بأنهم أوصياء وشرطة على الناس، حتى وإن تشدقوا بصلف بمقولة "حرية الفكر"، هذه النرجسية و"الأنا" والفوقية هي التي أقعدتنا وجعلتنا لا نفكر إلا فيما نميل إليه من آراء ورثناها من الماضين، معارضة الرأي على الطريقة الشرقية تجعلك تستمتع بمنطق (اغلبوهم بالصوت) و(منطق الكثرة) على طريقة المثل الحجازي "اثنين قالوا لك راسك مو فيه تحسسوا" في دلالة منها على أن الأكثرية دليل الحق، فلم يعُد مستغربا سماع هذه العبارات لإسكات الطرف الآخر "نحن المسلمين لدينا كذا وكذا.."، "نحن كمسلمين لا نقبل أن يكون كذا وكذا"، "نحن مجتمع عربي عاداتنا وتقاليدنا لا تسمح" ...."نحن مجتمع شرقي نرفض كذا وكذا"، مستمرين بهذه اللغة الإطلاقية "نحن"، إن قاعدة الأكثرية حتى وإن أجيزت في كثير من المباني الشرعية والفقهـية إلا أنها تكاد تكون مرفوضة في الجانب الثقافي والمعرفي والحضاري، بل هذا بالضبط هو ما جعلنا متخلفين، وهو انعدام استقلالية التفكير وهو أن تكون مأسورا لعقل الجماعة، بحيث تقبل ما يقبله الناس وترفض ما يرفضه الناس، ومجالات الإبداع مقيدة على طريقتهم، وهذا هو السوء بعينه في حال الفرد العربي وما نفتقده من غياب للمثقف المستقل في مجتمعاتنا العربية، لقد أصبحنا في حواراتنا وبسلاح الكثرة نتفنن في تكريس ثقافة الذوبان في القطيع، بل ونراهن عليها، مكررين في ذات الحال نفس السيناريو الذي أسس لهذا المنطق في الماضي فخسرنا "ابن رشد" ورفضناه رفضا شديدا، عندما أبدع، وجاء بجديد، وخرج عن المألوف، واستفاد منه الغرب قبل الشرق ولم نعرفه إلا بعد ما عرفوه واستفادوا منه.

إن قناة الدانة الفضائية أعطت انطباعا في حواراتها أن هناك أزمة حوار ما زال يشهدها الشارع السعودي، وهذا يُحسب لصالح القناة، وأحمد الله أنه خرج مقدم البرنامج بسلام ولم يضرب بلكمات خطافية كما حصل في قناة المستقلة!