بكل حياد سأسعى للوقوف فعلا مع كل ما جاء في مقالة المهندس خالد الملحم مدير عام الخطوط السعودية، والتي استضافتها صحيفة الوطن يوم أمس الأول، خاصة وأن الخطوط السعودية باتت أكثر الجهات التي يتطلع السعوديون لأي حديث أو تصريح من أي مسؤول، فكيف بها إذا كانت من المدير العام. الآن الخطوط السعودية تعد الحلقة الأعقد في معادلة التنمية السعودية، ولم تفلح كل الشكاوى والصرخات الوطنية من مختلف الطبقات والفئات في أن تغير كثيرا من واقع الناقل الجوي السعودي، تزداد العقدة كلما أدركنا أن نوع الشكاوى التي يرددها الشارع هي ذاتها التي تتكرر في كل منطقة، صعوبة في الحصول على مقعد، وتردّ مستمر في الخدمات، وغياب واسع لمفهوم التطور والتحديث، وبقاء وتكرار تلك الشكوى بشكل متزايد بات يصنع فكرة في أذهان الناس بأن مشكلتهم مع الخطوط السعودية عصية على الحل. انتقل إلى الخدمات الأرضية لتجد أنك أمام واقع ربما لا تستطيع التغاضي عنه سوى في مطارات الرياض والدمام فقط، وبقليل من المجاملة، بينما وفيما يزيد عن عشرين مطارا تشعر كأنك في موقف للطائرات ولست في مطارات، على الأقل كالتي تشاهدها في بلدان عربية مجاورة، هذه المقارنة التي غالبا ما يعقدها السعوديين بين ناقلهم الوطني ومختلف شركات الطيران المحيطة بنا في دول مجاورة، تعمق حجم الفجوة بين طموح الشارع وبين واقع الخدمات الجوية الوطنية. تحدث المهندس الملحم عن خصوصية وأهمية كبرى في صناعة النقل الجوي في المملكة، وإذ يتفق معه الجميع في الأهمية، يكاد يختلف معه الجميع في الخصوصية، فحين نتحدث عن اتساع مساحة المملكة، فهناك بلدان أكثر سعة منها، وليس لديها أية أزمة في خدمات النقل الجوي، وإذا تحدثنا عن اتساع الحركة التنموية وارتفاع حجم الإقبال على السفر الجوي، فثمة تجارب عالمية لديها ذات النمو، وبوتيرة أسرع أحيانا مما لدينا، مما يعني أنه لا يوجد في واقعنا السعودي أمر خاص يبرر أو يسمح لنا بالحديث عن الصعوبات والعوائق في أي قطاع كان على أنها واقع أو قدر. الآن وبكل وضوح اكتشفنا أن اتصال النقد والهجاء المتكرر للخطوط السعودية لم يغير شيئا، ومعظم أشكال التطوير التي أشار إليها المهندس الملحم في خدمات السفر، يتلخص أغلبها في الجوانب الإجرائية المتعلقة بعملية السفر، كاستخدام الأنظمة الإلكترونية وتسريع عمليات وإجراءات السفر، وكلها تطورات حتمية أكثر من كونها اختيارية، وهي نتيجة لتطور الأدوات والوسائل العالمية في هذا القطاع، فليس من المعقول أن نظل في زمن التذاكر الورقية والحجز اليدوي، كما أنه ليس من الإنصاف اعتبار أن تجاز تلك الوسائل يعد نقلة نوعية كبرى، لأن المعيار الحقيقي هو في جودة الخدمة، فكيف إذا كانت معاناتنا مع توفرها أصلا. لا أحد ينكر الدور التاريخي للخطوط السعودية، لكن مثل هذه الخدمات إنما ينع مجدها حاضرها وليس تاريخها، إذ تأخذ قيمتها مما هي عليه من تطور ومواكبة، لا من مسيرتها التاريخية. إلى الآن ومع كل هذه المرارة الوطنية والشكوى الملازمة لذكر اسم الخطوط السعودية في الشارع السعودي، لا زلنا بالفعل لا نعرف ما السبب؟ وليس لدينا أي تفسير لما يحدث، هل المشكلة في نقص الطائرات أم في الخسائر المستمرة التي تتكبدها الخطوط السعودية، أم في وجود فواتير بأرقام باهظة لم يتم تسديها إلى الآن، أم لأنه مجرد لغز يختبر ذكاءنا المحلي في البحث عن إجابة له؟ أشار المهندس خالد الملحم إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي تدني أسعار تذاكر الطيران السعودي الداخلي مقارنة مع المسافات، مع أن التسليم بهذه الفرضية قد لا يكون مطلقا إلا أنه بداية – على الأقل – لتفكير إيجابي وحل ممكن، فما الذي يمنع الخطوط السعودية أن تعلن أن واقع الأسعار الحالي يمثل خسارة حقيقية للشركة وأنها مضطرة لرفع أسعارها لتتمكن من تحقيق أرباح تمكنها من تطوير خدماتها، في هذه الحالة إما أن توافق الدولة على هذا الإجراء أو أن توسع في حجم الدعم الذي تقدمه للخطوط السعودية، تماما كما يحدث مع الشركة السعودية للكهرباء. المفارقة أن الشركة السعودية للكهرباء شركة وطنية مساهمة، وهذا مكمن لغز آخر، لأننا نسمع عن العمل على تخصيص الخطوط السعودي منذ فترة ليست باليسيرة، ومع نجاح التجربة في تخصيص قطاع التمويل إلا أنه لا يؤثر إلا على جزء محدود من الخدمة، خاصة وأننا جميعا مستعدون للبقاء بدون وجبة طعام بين الرياض وجدة، المهم أن نحصل على المقعد الذي نريد. كل ما تطرق له المهندس الملحم حول زيادة عدد الرحلات وزيادة عدد الطائرات أخبار إيجابية للغاية، إنما السؤال عن مدى إسهامها في حل المشكلة الفعلية، ورغم تلك الجوانب إلا أن أبرز المواقف إيجابية هي أن نشهد حديثا مستمرا لمسئولي الخطوط السعودية مع الجمهور، لأننا نستوعب وجود إشكالات واسعة في كثير من قطاعاتنا لكننا على الأقل ندرك سبب ذلك، ونتواصل باستمرار مع المسئولين في تلك القطاعات، وهو ما نكاد نفتقده مع الخطوط السعودية، خاصة وأننا ندرك أن لدى المسئولين فيها ما يقولونه للناس، ومقالة المهندس الملحم أشبه ببطاقة صعود طائرة تضم أسماء كل السعوديين، لكنها بحاجة للتأكيد، خاصة مع إلغاء خدمة الانتظار في نظام الحجز. استمرار الإشكالات وجهل الناس بها، يحولها إلى لغز تنموي كبير ومعقد، وباعث على التذمر.