(لكي تخرجوا من الحفرة، عليكم أن تتوقفوا عن الحفر).. هذه النصيحة التي توجّه بها رسام الكاريكاتير علي فرزات إلى النظام السوري، لم تجد من يصغي إليها، فضلا عن أن يعيَها. آلةُ الحفر مستمرة بكامل نشاطها المحموم والمجنون، تريد إخراس صوت الشعب المتصاعد منذ بضعة أشهر دافعا الثمن الصعب من حياته بقوافل الشهداء اليومية التي تعدّتْ ألفَي شهيد ومعهم عشرات الآلاف من المعتقلين. إلى جانب حصار المدن وإعمال الهدم والتدمير فيها مما يرقى إلى جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعيّة، تحت ذريعة "العمليات الأمنية" ضد المندسّين والمخربين والإرهابيين، فيما الإعلام الرسمي والتابع يصدح ـ دون حياء ـ بأناشيد تسبّح بحمد النظام الممانع المقاوم الذي لم يحرّر شبرا من أرض الجولان المحتلة، ولم يمنع تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق قصر الرئيس، محتفظا بحقّ الرد "في الزمان المناسب". ويبدو أن الزمان المناسب قد أتى ولكن من طريق آخر.. فبدلاً من الاستجابة لنداء الكرامة وتحرير الأرض، أخذ النظام على عاتقه وبهمّة عاليّة، تساعده أجهزته الأمنية وقواته العسكرية وعصاباته من الشبيحة،تحقيق النداء معكوسا بتحرير الأرض السوريّة من شعبها. الدبابة التي ذبل مدفعها على الجبهة والطائرة التي صدأت في مهجعها.. آنَ لهما وقتُ التحرير والعمل ضد الشعب في طغيان وجبروت يندى له جبين الإنسانية.
العمى الذي يسبح فيه النظام السوري وزبانيته تؤكّده التصرّفات اليومية والمسرفة في بشاعتها والتي لا تستطيع العين احتمالها ولا العقل بقادرعلى تصوّرها، لكنها تحدث وتحدث والحفرة تتّسع وتفيض بأخبار المأساة وبشناعة الفعل المتغوّل الذي لا حدود لبطشه منذ أطفال درعا وفتيانها الذين دشّنوا شرارة فجرالحرية وكتبوا على الجدران "الشعب يريد إسقاط النظام" فجرى اعتقالهم وتعذيبهم وانتزاع أظفارهم التي حملت القلم وكتبت. وهذا التعامل الوحشي، مع الأفراد المعارضين والمناوئين، طبيعة مخامرة للنظام البوليسي المخابراتي في سوريّا.. ولعل الذاكرة لم يصبها العطب لتستعيد إقدام المخابرات السورية في لبنان على تدبيرعملية اختطاف الصحفي اللبناني سليم اللوزي رئيس تحرير مجلة الحوادث في فبراير1980 والقيام بتصفيته بعد تعذيبه والتنكيل بجسده، حيث أُذيبت أصابع يده اليمنى في حمض الكبريت بقصد أن يكون عبرة لمن يجرؤ ويتحدّى ويصدع بالقول منتقدا الخطايا التي يرتكبها النظام.
وكأن التاريخ يكرّر نفسه، ففي فجرالخميس الماضي، انقضّ الشبيحة على "أصابع" الفنان علي فرزات وهشّموها؛ تنكيلاً بالكاريكاتيرالذي يفضح ويعرّي ويكشف السوءة القبيحة لنظام العسف والقهر وتكميم الأفواه ومنع حريّة التعبير، على النحو الذي ارتكبوه بدمامة وفظاعة منقطعة النظير عندما لم يكتفوا بقتل "بلبل الثورة السورية" بل اجتزوا حنجرته التي هتفت بـ "ياللا ارحلْ يا بشّار".
(عليكم أن تتوقفوا عن الحفر).. لن يتوقفوا حتى تبتلعهم الحفرة.