أخيرا بعد 42 عاما، من حكم التسلط والفساد والاستبداد، سقط نظام العقيد معمر القذافي، في صراع هو الأعنف بين ما شهدته البلدان العربية التي مر بها الإعصار العربي. وأخطر ما فيه هو امتزاج مطالبة الشعب بالحرية والعدالة، بتدخلات الناتو، مزودا بتفويض أممي صادر عن مجلس الأمن الدولي تحت ذريعة حماية المدنيين، ليصبح مطلب العدالة والحرية مضمخا بالدماء الزكية التي أسالتها كتائب العقيد وحلف الناتو على السواء، ولنوضع مجددا بين خيارين أحلاهما مر: خيار القبول بالاستبداد المحلي أو الخضوع لهيمنة قوى الغطرسة الدولية.

بطرد كتائب القذافي، من العاصمة طرابلس، وملاحقة هذه الكتائب في مدينة سرت، تقترب مرحلة من نهايتها، هي مرحلة الجهاد الأصغر، لتبدأ مرحلة أخرى، أكثر صعوبة وتشابكا وتعقيدا. نتمنى من القلب أن يتمكن الليبيون من عبورها بسلام، وأن يتحقق مبتغاهم، لتمارس ليبيا دورها مع شقيقاتها الدول العربية في الدفع بمسيرة النهضة والتنمية.

وفي يقيننا، أن المهام الذي ينبغي أن يضطلع بها الليبيون في هذا المنعطف التاريخي من حياتهم كثيرة لا تحصى، في مقدمتها التعامل مع الآثار التي خلفتها الحرب. فهناك آلاف الجرحى والثكالى والأرامل، وجروح غائرة في نفوس الليبيين بحاجة لأن تندمل. وهناك الحاجة إلى رفع ركام الخراب وإعادة إعمار ما دمر في القصف المتبادل بين الناتو وكتائب العقيد. كما أن هناك حاجة ملحة لتشغيل المستشفيات وتزويدها بما تحتاجه من القوى البشرية والكفاءات والأدوية اللازمة لمعالجة الجرحى والمعاقين. وهناك أيضا، صيانة البنية التحتية للمدن الرئيسية، التي عانت هي الأخرى من نتائج الحرب.

وجميع هذه المهمات تتطلب أموالا طائلة، لا قبل لشعب ليبيا الذي عاش تحت وطأة الحرب والحصار بتلبيتها، مما يتطلب تضافر جهود الأشقاء العرب للمساعدة على تأمينها.

يضاف إلى ذلك، أن الطريقة التي تم بها إسقاط نظام القذافي، عن طريق حلف الناتو ستكبل ليبيا بقيود جديدة، ولن يكون سهلا التخلص منها، خاصة أن هذا الحلف قد تمكن من تحقيق اختراقات رئيسية في صفوف المعارضة، التي تصدت للنظام السابق. كما أن الانفلات الأمني الذي يسود معظم أنحاء ليبيا، وانهيار مؤسسات الجيش والشرطة، التي كانت قائمة من قبل، ربما يكونان مدعاة لتشكيل قوة دولية، بقرار أممي جديد، بما يتيح لقوى الهيمنة استثمار هذه المستجدات، لفرض تبعية ليبيا لسياساتها.

إن ذلك، يفرض على الدول العربية، مساعدة ليبيا في حل هذه الإشكالات. وربما يشكل اقتراح وجود قوات عربية في ليبيا، لحفظ الأمن والمساعدة على عودة الاستقرار حلا معقولا، للخروج من النفق، وحماية بلد عربي من شر المتربصين.

وإذا ما انتقلنا من التعامل مع الأوضاع الطارئة التي تمر بها ليبيا، إلى مقابلة استحقاقات الشعب الليبي، وتنفيذ أجندة الإصلاح السياسي، التي هي مبرر اندلاع الحركة الاحتجاجية, فإن المهمة الأولى في هذا السياق، هي إعادة بناء مؤسسات الدولة، بكافة تفرعاتها وتشعباتها. وبخاصة القضاء والجيش والشرطة.

والخطوة الأولى في هذا الصدد، هي حل الميليشيات التي تأسست مع بداية الحركة الاحتجاجية، والتي شكلت العمود الفقري الليبي في المواجهة مع كتائب القذافي. هذه الميليشيات تشكلت، في ظروف صعبة للغاية، وفرضت تشكيلها طبيعة اللحظة، التي اتسمت بغياب القيادة السياسية الموحدة للمعارضة الليبية. وجاء تشكيلها مرتبطا بمجموعة من الاعتبارات الفئوية والمناطقية والولاءات القبلية والسياسية، واتخذت طابع الفزعة، وضمت عناصر متطرفة. وقد حان الوقت لحل هذه الميليشيات ودمجها في المؤسسة العسكرية الجديدة التي ينبغي العمل بأقصى سرعة على تشكيلها.

بالتزامن مع إعادة تشكيل مؤسستي الجيش والشرطة، ينبغي التسريع في إعادة تشكيل مؤسسة القضاء. ومن المهم الاعتراف باستقلاله عن بقية مؤسسات الدولة. إن هذه الخطوة تمثل نقطة البداية على طريق سيادة دولة العدل والقانون. وأهمية وجودها في هذه المرحلة، يكمن في تجنيب البلاد الفوضى وروح الانتقام والثأر من أتباع النظام السابق. إن القضاء المستقل هو وحده الذي بإمكانه أن يكون ميزانا للعدل، وهو وحده الذي يجنب البلاد غوائل الأحقاد، ويعطي لكل حق حقه.

في الأيام الأخيرة صدرت تصريحات أميركية، تدعو المجلس الانتقالي الليبي للاستفادة من تجربة العملية السياسية التي هندسها ونفذها المندوب السامي الأميركي، بول برايمرز في العراق. والواقع أن اقتفاء هذه التجربة هو أسوأ ما يمكن أن تقدم عليه قيادة ليبيا الجديدة.

فالتحول نحو التعددية والديموقراطية، ومغادرة نظام التسلط والاستبداد وبناء ليبيا الجديدة يقتضي تعزيز مفهوم المواطنة، المستندة على الاعتراف بالندية والتكافؤ والمساواة، والنأي عن القسمة والمحاصصات بين العشائر والقبائل. ينبغي الاستناد على العلاقات التعاقدية بين البناء الفوقي والمجتمع، وأن يأخذ الفرد مكانه في المجتمع من خلال كفاءته وأدائه وليس من جاهه وحسبه والقبيلة أو العشيرة التي ينتمي إليها.

إن قيام نظام سياسي على أسس المحاصصات سيطعن في الصميم وحدة ليبيا، وسيكون مقدمة للتجزئة والتفتيت. ذلك لا يعني التمسك بالمركزية التي سادت في ليبيا منذ حصلت على استقلالها مع مطالع الخمسينيات من القرن المنصرم، فهذه المركزية قد أسهمت بشكل كبير في تغول البيروقراطية وتعطيل مصالح المواطنين. لكن وجود نظام يعمل على التخفيف من وطأة مركزية الدولة، وإطلاق المبادرات والنص على وجود صلاحيات لكل محافظة لإدارة شأنها الخاص هو أمر مختلف تماما، عن مبدأ القسمة.

ولن يكون ممكنا الانتقال السلمي نحو دولة التعددية والحرية والعدل والقانون، دون صياغة دستور جديد يأخذ بعين الاعتبار هذه المبادئ، ويجري إقراره من قبل الشعب الليبي عن طريق الاقتراع. لتؤسس بعد ذلك المجالس التمثيلية والنيابية، والمؤسسات المعبرة عن حاجة هذا الشعب وتطلعاته في الحرية والكرامة.