لست ممن ينتقد الفن وبرامج التلفزيون تقربا إلى الله، ولست ممن ينظرون للفن والفنانين بصورة دونية. بل أحب التلفزيون وأتابع برامج رمضان بشغف وأشعر بامتنان لكل من قدم برنامجا ممتعا أو مفيدا وهم قلة. فالفن كما هو معروف مرآة لثقافة المجتمع, لذا أرصد واقعنا من خلاله, وفي هذا العام يمكن لمشاهد المسلسلات أن يرصد التالي:

• ما زالت مشاهد الضرب والصراخ والشتم تعرض كسلوك طبيعي يمر مرور الكرام في سياق المشاهد، دون نقد صريح أو مبطن، ويعتبر طريقة مقبولة قد يعبر بها الوالدان عن قلقهما على أبنائهما مثلاً، أو تعبر به الزوجة عن غضبها أو المدير عن انفعاله، أما في المسلسلات الخليجية فيعتبر مصدرا للفكاهة.

• مازالت هناك بلادة حسية عامة تتمثل في إظهار السمان والأقزام وأصحاب العاهات الجسدية من أجل الإضحاك والفكاهة, وهذا يذكرني بعصور الظلام حيث يوضع القزم أو صاحب العاهة في قفص لتتم مشاهدته والتندر به مقابل بعض المال، وبالطبع فقد انتهت هذه الظاهرة مع ظهور حقبة حقوق الإنسان التي لم تصلنا بعد.

• الإنتاج الكثيف جدا الذي يغرق القنوات العربية في رمضان بمسلسلات التهريج والاستهبال، المليئة بالحركات البهلوانية والصراخ، والمشاهد المقززة كفتح الفم أثناء تناول الطعام، أو النساء اللواتي يتعمدن الظهور بمنظر قبيح لا أعرف له أي مبرر، فكيف يا ترى يرانا منتجو هذه البرامج؟ فكوننا صائمين ونسبة الجلوكوز منخفضة في أجسادنا لا يعني أننا فقدنا القدرة على التمييز بين التهريج والإسفاف وبين الكوميديا الحقيقية, فهذه البرامج حتما لا تمثل الكوميديا بل مشاهد مزعجة تحط من مستوى الذوق العام.

• "الفقر" كظاهرة اجتماعية هي حالة مشينة في العالم العربي أحد أسبابها غياب العدالة الاجتماعية، ومع ذلك ما زال الفن وأهله يصرون علي تصوير الفقراء وهم يتفاخرون بفقرهم المصاحب لشرفهم, وكأنه وضع معطى من السماء وليس هناك أسباب مفتعلة جعلتهم يعانون الفقر.

• الأطفال في المسلسلات يعكسون جانبا من تخلفنا, فالطفل كائن ذكي وقادر على إدراك ما حوله وله أسلوبه في الكلام، ومع ذلك ما زال في المسلسلات العربية مخلوق سلبي توظف شخصيته بما يخدم شخصيات الأبطال، فتخرج عباراته أكبر من عمره بصورة مشوهة وغير مقبولة.

• البلطجة والعنف اللفظي عند الرجل أو المرأة هي سلوكيات ضارة، وتعكس وضعا اجتماعيا متدهورا قد تؤلف فيه مراجع، لكن الفن العربي ما زال يصورها كنوع من قوة الشخصية، ومن جماليات بنت البلد كما تصور فيفي عبده في أغلب أدوارها. مفاهيم كالكبير والزعيم وكبير الحارة كلها من القيم التسلطية المسيطرة على كثير من مجتمعات العالم الثالث، وهي من الأسباب الرئيسية لظهور الدكتاتوريات القمعية في مجتمعاتنا، ومع ذلك فالفن العربي يعمل على تلميعها وتصويرها وكأنها قيم مثلى، ليت الذي انتهى منها يعود.

هذه قراءتي لبعض جوانب ثقافتنا من خلال مرآة الفن, والتي كان يجب على الفن وأهله أن يعملوا على التوعية بسوئها وليس تعزيزها أو تطبيعها. وأتمنى في الأعوام المقبلة أن نرصد ثورة حقوقية وإنسانية في المفاهيم الاجتماعية في الأعمال الفنية، تسير بالتوازي مع الثورات الشعوبية الحاصلة الآن.