في ظل تسارع الأحداث السياسية الساخنة في المنطقة، وما يصاحبها من تغطية إعلامية مكثفة من جميع القنوات المهتمة بالشأن السياسي، يتابع المراقبون بشكل يومي التغطية الإعلامية من القنوات المتعددة، ويستمعون إلى المحللين السياسين الذين يتناولون الأحداث بتعدد قراءاتهم ومشاربهم السياسية، وكيف أن جميع القوى المؤثرة في المنطقة تحاول أن تعزز موقفها من خلال المَكَنة والآلة الإعلامية الخاصة بها، ومن خلال تبنّي قراءتها السياسية ومصالحها بالمنطقة أو من خلال إبراز الأحداث التي تعزز وتدعم تلك القراءة وتلك المصالح.
الذي أريد إثارته في هذه السطور؛ هو أننا نلاحظ قلة وجود المحللين والمتحدثين الخليجيين الذين يجيدون الحديث والتحليل السياسي في القنوات الإعلامية، بل يكاد يكون عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة! وهذا الكلام يندرج وللأسف على الآلة الإعلامية الخليجية، حيث ينقصها الكثير من الكوادر المؤهلة والمحترفة، فالمتابع يجد اكتساح جنسيات أخرى لهذه الصناعة المهمة. نعم، هناك نسبة نمو بشكل ملحوظ في الكوادر الخليجية، حيث نشاهد العديد من الأسماء التي برزت مؤخرا، خصوصا مع إنشاء المدن الإعلامية في دبي وغيرها، إلا أن الوضع لا يزال يشكل مشكلة، ويحتاج إلى تواجد الكثير في الميدان!
وفي جانب الإنتاج الإعلامي المحترف ـ غير السياسي من دراما وغيرها ـ؛ نجد وبلا شك ضعف الآلة الإعلامية الخليجية ـ باستثناء الكويت ربما ـ، وما زال سوق الصناعة الإعلامية بكرا ويبحث عن صناع كبار يمكنهم أن يأخذوا بهذا المجال إلى مستوى جيد من حيث جودة الإنتاج والسيناريو والإخراج.. الخ.
وعندما تصبح لدينا أجندة إعلامية وسياسية ذات كفاءة عالية فإننا نستطيع من خلالها أن نصل بأصواتنا إلى العالم، كما نحقق الكفاية لأنفسنا وشعوبنا في المنطقة! بالإضافة إلى تمكيننا من إظهار العالم على الرؤى السياسية التي نتبناها من خلال إبرازها وبث مبررات تلك الرؤى.
عندما كنا في مراحل الدراسة في الخارج؛ كنا نلاحظ ندرة المبتعثين في هذين المجالين ـ العلوم السياسية والإعلامية ـ على أهميتهما وللأسف! بل لم يكونا من ضمن التخصصات التي في المخطط الذي ترسمه وزارة التعليم العالي! مع قلة تلك الكوادر وأهمية وجود أولئك المتخصصين الذين من خلالهم نستطيع أن نعتمد عليهم.
لا أكاد أذكر مركز دراسات واستشارات سياسية ذا إنتاج فعال وقوي في المنطقة، مع توفر البيئة والقدرة المالية الضخمة في الخليج، ـ هناك بعض المراكز الجيدة مثل مركز الإمارات للدراسات والبحوث، والمعهد الثقافي التابع لوزارة الخارجية السعودية، ولكنها تحتاج إلى الكثير من الدعم بالكوادر وفتح قنوات المشاركات والأنشطة ـ وكذلك مع إلحاح الظروف السياسية المحيطة إلى وجود مثل تلك المراكز المستقلة وذات الكفاءة العالية. كما أن المجلات المتخصصة في البحوث السياسية لا تكاد تكون موجودة في المنطقة، ويجد المثقفون والمهتمون أنفسهم يلجؤون إلى البحوث والمجلات التي تكتب عن المنطقة من خلال بعض المؤسسات والتجمعات التي قد لا تتبنى الرؤية السياسية الخليجية!
باعتقادي؛ أنه في مثل هذه الظروف يأتي دور الجهات المسؤولة ـ وزارتا الخارجية والإعلام مثلا ـ لتصنع بقوة الدولة ودعم ولاة الأمر باكورة ونواة ذينِك الشأنين المهمين. فهذا الدكتور غازي القصيبي رحمه الله عندما أسَّس شركة سابك في أثناء وزارته للصناعة والكهرباء؛ أصبحت اليوم تلك الشركة الوليدة قائدة ورائدة للصناعة البتروكيميائية وما يدور حولها من صناعات، وساهمت في نشوء وتطور جميع الصناعات المرتبطة بذلك النشاط، كما تخرَّج من رَحِمِها الكثير من الكوادر الوطنية الجيدة التي أصبحت تقود هذه الصناعة إلى مستويات عالية ولله الحمد.
كان هناك مركز الشيخ زايد للدراسات الاستراتيجية، وكنا نتابع الكثير من الفعاليات والأنشطة المتميزة التي كان يقيمها، إلا أن الأمر انقطع بعد إغلاقه، وبغض النظر عن الظروف المحيطة بقرار إغلاقه؛ إلا أن الحاجة الحالية تستدعي إعادة فتحه وإنشاء المزيد من المراكز الضخمة والمؤثرة في المنطقة.
لا شك لدي في تواجد العديد من الكوادر السياسية والإعلامية عالية التأهيل والكفاءة، إلا أنني أرى أن الحاجة ما زالت تحتاج إلى الكثير في هذا المجال، والميدان يستدعي تواجد أضعاف الموجودة حالياً، كما أن المستثمرين في المجال الإعلامي ما زالوا بنظري غير منتبهين إلى مدى حاجة السوق لهم، وإلى استثماراتهم التي قد تحقق لهم الكثير من الربح المادي، والذي سينعكس ـ إن أحسنوا استغلال تلك القنوات ـ بشكل إيجابي على بلداننا ولغتنا وثقافتنا عموما.