يبدو أن الازدواجية الظاهر والباطن/ القول والفعل/ التنظير والممارسة، أمر متغلغل في تركيبتنا الثقافية الاجتماعية، بشكل لا نستطيع الفكاك منه في وقت قريب، فنحن دائماً ما نتحدث عن الازدواجية ونوجه لممارستها النقد اللاذع، غير أننا نجد أنفسنا في غياهبها دوماً كمن يجد نفسه في قلب عاصفة، إذ لا يمكن للمجتمع أن يعزل نفسه عن نفسه ـ وإن استطاع أن يعزل عن نفسه (جندرياً) ـ ليصبح المجتمع برمته مرتدياً للأقنعة، بل إنه بات من الضرورة بمكان على أفراده أن يرتدوا أقنعتهم كل الوقت في مختلف الأمكنة.
يوجد الكثير من المجاملات، والتصنّع، والتلميح.. هذا إذا ما أخذنا الأمور على أحسن الأحوال وتركنا السيئ منها، كالكذب والغيبة والنميمة ومخالفة الأقوال للأفعال.. النسيج الثقافي ينتج الازدواجية عبر أجيال ليس باستطاعتها أمام الانعتاق من هذا الزخم من العادات والتقاليد الموروثة، ليس محلياً فحسب بل على امتداد العالم والإسلامي، إلا أن تجد هذه الأجيال نفسها في ورطة لا تستطيع الفكاك منها، لتصدح بالقول (هذا ما وجدنا عليه آباءنا) وإن خلعنا بردتنا لنكونن من الخاسرين، فأول من يقف ضدهم هم غالبية المجتمع. تقلّ مكونات هذه الازدواجية أو تكثر في مجتمع عربي ما حسب انفتاح ثقافة الأفراد، وتحررهم، وقطيعتهم المعرفية مع الموروث. والإشكالية الرئيسية الآن ليست أننا ارتضينا أن نعكس صورة سيئة عن ثقافتنا العربية، بات الأمر مقترناً بما أستطيع تسميته بـ"عولمة التخلف" من خلال تدويل هذا التخلف وتصديره إلى العالم، بشكل (سلعة ثقافية) تعكس عنا صورة نمطية لا يمكن معها إلا القول إنها إنتاج ثقافي عربي!
على مستوى الطلاب المبتعثين للدراسة في الجامعات الغربية مثلاً، ليس من الغريب أن تبرز هذه المشكلة، حيث يسهم بعضهم في تكريسها كصورة نمطية لا تفارق مخيلة "الآخر"، مع أن آخرين أسهموا في رسم صورة مشرقة عن القيم العربية، وحصل بعضهم على شهادات وأوسمة نظير الأعمال الاجتماعية والعلمية التي قدموها. أحد المقاطع في (يوتيوب) شاب خليجي يعلّم زميلته الغربية كيف تأكل بيدها بطريقة طريفة، ربما يمكننا أن نعتبر ذلك من قبيل تمازج الحضارات التي يدخل من ضمنها الطرائق المعيشية في المأكل والملبس. إلا أن شخصاً آخر يقوم بتعليم صديقه الغربي كلمات بذيئة، على اعتبار أنها تدخل ضمن الاستخدام اليومي، كالترحيب وتحيات الصباح والمساء، إلا أن هذا الغربي سيكتشف يوماً أن هذا العربي يكذب عليه، بطريقة الاستغفال على الرغم من أنه أسهم في نموه المعرفي والثقافي والإنساني بدءاً بتعليمه اللغة بكل صدق، وتقويم أخطائه وتحمّل تصرفاته أحياناً، على الرغم من أن البعض قد يقول إنها معرفة مدفوعة الثمن، وأقول إنها خير من تخلّف مدفوع الثمن على الأقل!
وحين نقرأ التحولات الاجتماعية في العالم نجد أن للأفكار دوراً كبيراً في خلق الحضارة كقيم مادية، فالجهل يخلّف الخوف والجوع والمرض والأمية والفساد، والعلم يسهم في رفع مستوى حياة الإنسان في الصحة والأمن والتعليم والديمقراطية، ومع الأسف الشديد ما تزال المجتمعات العربية تعيش في حلقة مفرغة نتيجة إعادة إنتاج مشكلاتها الثقافية أساساً، والتي لها انعكاساتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فأصبحت هذه المجتمعات مستهلكة لأبسط الأشياء التي يمكن الاكتفاء منها ذاتياً، وإن حاولت الإنتاج والاكتفاء الذاتي طغت مشكلات أكبر على السطح، وسأضرب هنا مثالاً بالتجربة الاقتصادية السورية، عسى أن يتضح المقصد وينجلي: إذ حاولت سورية كدولة اشتراكية أن تكون منتجة كي تمنح شعبها اكتفاءً ذاتياً، وتم تشغيل المصانع والبدء بإنتاج معظم السلع الاستهلاكية التي تخطر على بالنا، بدءاً من المشروب الغازي وحتى محاولة إنتاج السيارات، ونتيجة لذلك تم فرض رسوم جمركية عالية جداً على السلع المستوردة، وبذلك أصبحت الفرصة سانحة واللقمة سائغة أمام امتهان تهريب السلع المصنعة ليس في أفضل دول العالم بل في أسوئها وأقلها جودة، وممتهنو التهريب هم من المدعومين ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ من قبل النظام وأزلامه، والمعنى: أن الازدواجية صنعت الفساد الذي أصبح بدوره (مفاسد) لا تعد ولا تحصى، وبالتالي فالضحية هو المجتمع الذي يحلم كثير من أفراده بالحرمان لدرجة أن بعضهم يرى أن السلعة المستوردة جنته في الأرض، نتيجة الازدواجية في الإنتاج والاستهلاك، اللذين هما قضية ثقافية بالدرجة الأولى، ظاهرها أمر وباطنها أمور أخرى.
إذاً فالازدواجية حين تظهر في مجتمع فإنها لا تظهر فقط في السطح، بل إنها كجبل الجليد الذي يُرى ثلثه ظاهراً، لكن ثلثيه غائصان في قاع المحيط! ولذلك حين بدأت أوروبا حملتها التطهيرية ضد ازدواجيتها الثقافية التي جعلتها بين واقع الرذيلة وادعاء الفضيلة، بدا الأمر منهِكاً ومكلّفاً، فرجال الدين كانوا يأمرون الناس بالفضيلة ظاهراً ويمارسون الرذيلة باطناً، وأولها القمع والحجر على الحريات، وقد بدأت الحرب ضد رذائل الإنسان هذه بالنقد الفكري واستمر هذا الأمر طويلاً، وكانت الخطوة الأولى هي جعل الطريق واضحاً وسالكاً بدءاً بالاعتراف بوجود مشكلة تحتاج إلى حل.
المجتمعات العربية تكرر مشكلاتها وقد لا تستفيد من حلول غيرها، فالمجتمعات قد تكابر متجاهلة وجود هذه الازدواجية كظاهرة، من خلال التقليل من شأنها على أساس أنها تصرفات فردية لا مجتمعية، وفي هذا عدم اعتراف وعدم اكتراث أيضاً، على الرغم من أن الخطر هو إنكار المشكلة بادعاء الطهر والنقاء المطلق، حيث من المفترض أن تكون أولى بوادر علاج المرض الاعتراف ثم محاولة التوصل لخطوات حل ناجعة بطريقة (step by step)، فالمحاولة والبحث جدياً عن حل بعد الاعتراف خير من الإصرار على الوهم. ونحن نعلم تماماً أن الثقافات التي أصرت على ادعاء الطهر قد زالت، وبقيت تلك التي تطورت وحاولت إعادة إنتاج حيويتها بالانفتاح والقبول والتأثير.