برغم الكثير من المحاولات الحثيثة التي رامت أن تخفي ما رسمه الزمن من آثار هرم وشيخوخة، إلا أن كل ذلك لم يجدِ في تزيين وجه مستشفى النساء والولادة والأطفال بالعاصمة المقدسة، الذي مرت 50 عاما على تأسيسه، وعجزت وزارة الصحة طوال السنوات الماضية عن توفير مستشفى بديل له، يقدم الخدمات الصحية والعلاجية، لأهالي العاصمة المقدسة.
البدايات
قصة إنشاء المستشفى بدأت منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، حيث يعد أول مستشفى للنساء والولادة بالمملكة، يقدم الخدمات الصحية للنساء والأطفال، بشكل متخصص، بعد أن رأى القائمون على أمر الصحة في ذلك الوقت، أهمية إنشاء مستشفى متخصص للخدمات الصحية النسائية في مكة المكرمة.
ويشير مدير المستشفى الأسبق، الدكتور حسين غنام، إلى أن "آل الكعكي، وهم من كبار التجار في العاصمة المقدسة، تبرعوا بالأرض المقام عليها المستشفى حاليا، وأوقفوها، لإنشاء مستشفى وإسكان خيري فقط، ولا يستفاد منها في أي غرض آخر"، مبينا أن المستشفى حينها كان "يضم العديد من التخصصات الصحية، ويقدم خدماته للنساء. وكان الأطباء على أفضل المستويات العلمية".
تزايد المراجعين
مع مرور الزمن والنمو السكاني الكبير، الذي تشهده العاصمة المقدسة، وقدم المبنى الحالي، ظهرت الحاجة الملحة لإنشاء مستشفى جديد للنساء والأطفال، وكان ذلك في العام 1416هـ، حيث بدأت مديرية الشؤون الصحية في إدراج مشروع إنشاء المستشفى ضمن ميزانيتها، لكن للظروف المالية في تلك الفترة، لم يتم إدراج المشروع ضمن بنود الميزانية، وظلت المطالبات به مستمرة، والوعود قائمة، ولكن "دون نتائج عملية"، بحسب متابعين للموضوع، و"زادت الأعباء على المستشفى الحالي بشكل كبير"، مبينين أن "وزارة الصحة بدأت في التحرك للتخفيف من الازدحام على المستشفى الحالي، من خلال إنشاء قسمين للنساء والولادة، الأول بمستشفى حراء العام، والآخر بمستشفى النور التخصصي، ولكن مازال الإقبال على المستشفى كبيرا، والحاجة ماسة للتوسع في الخدمات الصحية النسائية".
فرحة ناقصة
في العام 1418هـ، لاح بصيص أمل لتحقيق "الحلم" بإنشاء مستشفى جديد للنساء والولادة بالعاصمة المقدسة، يلبي الحاجة الملحة للمريضات، بعد أن أعلن الشيخ على مغربي، وهو من كبار رجال الأعمال المكيين، عن تبرعه بإنشاء مستشفى للنساء والأطفال على نفقته الخاصة، حيث رحب وزير الصحة حينها الدكتور أسامة شبكشي بهذه المبادرة الإيجابية، وبدأت الوزارة التنسيق مع إمارة منطقة مكة المكرمة لتخصيص أرض لبناء المستشفى، ووجه أمير منطقة مكة المكرمة حينها الأمير ماجد بن عبدالعزيز، أمانة العاصمة المقدسة، بتخصيص أرض لإقامة المستشفى، وتم تخصيص أرض بالطريق الدائري الثالث لإنشاء لهذا الغرض، واستبشر الأهالي بهذه الخطوة الإيجابية، ولكن الأمور لم تسر عما كانوا يأملون، فقد توفي المغربي، وتعطل حصر التركة بسبب الخلاف بين الورثة، وتأخر تنفيذ الوصية، وتعطل المشروع الذي كان ينتظره الأهالي، وبدأت وزارة الصحة في اتخاذ خطوات عملية لإنشاء مستشفى جديد، وتم اختيار المواقع بالقرب من مدينة الملك عبدالله الطبية، بـ"دقم الوبر"، وإلى آلان لم يتم الانتهاء من تشييد المستشفى الجديد!.
انهيار محتمل
ظل المستشفى الحالي يواصل تقديم خدماته للنساء والأطفال، حتى أثار مدير الدفاع المدني بالعاصمة المقدسة العميد جميل أربعين، مخاوف المرضى والمريضات الذين يراجعون المستشفى، بتصريح صحفي أعلنه خلال الأسبوع الماضي، أكد فيه أن المستشفى مهدد بالانهيار، ويشكل خطورة على حياة المراجعين، ولا تتوفر به وسائل السلامة اللازمة، ليحرك هذا التصريح المياه الراكدة، وإدارة الشؤون الصحية بمنطقة مكة المكرمة.
من جهته، أكد نائب المدير العام للشؤون الصحية بمنطقة مكة المكرمة، الدكتور طالب الحجيلي، في تصريح صحفي ردا على تصريحات مدير الدفاع المدني، أن المديرية كلفت مكتبا هندسيا متخصصا، قام بالكشف على المبنى، وأكد سلامة المبنى من الناحية الإنشائية، مشيرا إلى توفر كل وسائل السلامة به.
إلا أن مدير الدفاع المدني العميد أربعين، أوضح في تصريح إلى "الوطن"، أن "الإدارة طالبت بإخلاء مستشفى الولادة، ونقلها لمكان تتوفر فيه وسائل الأمن والسلامة"، مؤكدا بأن "السلامة الإنشائية من اختصاص أمانة العاصمة، والجهة الفنية بالشؤون الصحية، وهي المسؤولة تماما عن السلامة الإنشائية. وأما فيما يتعلق بوسائل السلامة، ومسببات الخطورة المباشرة، فقد تم رصدها من قبل الدفاع المدني، وتم تبليغ الشؤون الصحية بها، وقامت بإصلاحها".
مبنى متهالك
بعيدا عن التصريحات المتضاربة بين الدفاع المدني والشؤون الصحية، حول سلامة المبنى، يؤكد العديد من المواطنين المراجعين للمستشفى، "قدم المبنى وتهالكه، وفشل كل الترميمات في تغيير شكل المبني. فالبويات والمعاجين لم تغير حقيقة وضع المبنى، الذي يعد الأقدم، والحاجة الملحة لإيجاد مستشفى جديد، يقدم الخدمات الصحية للنساء والأطفال".
شيخوخة ظاهرة
لافي اللهيبي، يرى من جهته أن "مبنى مستشفى النساء والولادة الحالي غير لائق بمستشفى يقصده أكثر من 300 مريض ومريضة يوميا، فالمبنى ظهرت شيخوخته، وأنه آن الأوان لإحالته للتقاعد، والبحث عن مبنى بديل خاص، في ظل الأنباء التي تتردد حاليا عن إضافة مستشفى النساء والولادة بدقم الوبر، الى مدينة الملك عبدالله الطبية".
نصف قرن
حديث اللهيبي السابق، أيده فيه محمد صالح الحربي، الذي شدد على أهمية "استغلال الطفرة الحالية، والإنفاق السخي، على مشروعات البنية التحتية، وإنشاء مستشفى للنساء والولادة بشكل لائق، يستطيع تقديم الخدمات الصحية للنساء والأطفال بشكل جيد، لأن المبنى الحالي لم يعد لائقا، وانتهى عمره الافتراضي الذي يزيد على خمسين عاما".
خدمة متميزة ولكن
محمد اللقماني، يشدد على أن مستشفى الولادة "يقدم خدمات صحية متميزة، ويضم العديد من الأطباء الأكفاء، ولكن المشكلة تكمن في المبني الذي لا يصلح أن يكون مستشفى، يقدم خدمات صحية، لأن تصميم المبنى من الأساس كان لسكن خيري"، مشيرا الى "أهمية إنشاء مستشفى جديد، يقدم خدمات صحية في ظل النمو السكاني الكبير، لأن العاصمة المقدسة في حاجة لأكثر من مستشفيين للنساء والولادة، الأول يغطي شرق مكة المكرمة، والآخر غربها".
ترميم سقيم
"الترميم الدائم لمستشفى النساء والولادة، لم يعد مجديا، لقدم المبنى، والترميم ليس الا إنفاقا للأموال، دون فائدة"، هذا ما يراه سمير بخش، مستندا في وجهة نظره هذه إلى أن "قدم المبني يشكل عائقا، ولابد من إزالة المبنى، وإنشاء مبنى جديد، لأن آثأر التشققات واضحة في المبنى الحالي، الذي خدم أكثر من خمسين عاما".
حسم ينتظر
الناطق الإعلامي بالشؤون الصحية بمنطقة مكة المكرمة، فائق محمد حسين، قال في تصريح خاص إلى "الوطن" إن "انتقال المستشفى الحالي إلى المقر الجديد بدقم الوبر، لم يحسم بعد، وهناك توجه لإضافة المقر الجديد إلى مدينة الملك عبدالله الطبية، ليقدم العلاج بشكل متخصص، ويستقبل الحالات التي تحال إليه من المستشفيات الأخرى"، مؤكدا أن "النية قائمة لإبقاء المستشفى الحالي في مقره، ليقدم الخدمات الصحية للمريضات والأطفال".
.. بينه والجودة "881 معيارا"
أبها: محمد الصالحي
في أواخر أكتوبر المنصرم، وقف مديرو 21 مستشفى في المملكة على منصة تكريم في الرياض لاستلام شهادة جودة وتميز من يدي وزير الصحة الدكتور عبدالله الربيعة. وكانت الشهادة الصادرة عن المجلس المركزي لاعتماد جودة المنشآت الصحية، بمثابة تزكية وتفضيل لتلك المستشفيات على الباقيات الـ219 في أنحاء البلاد.
وكغيره، لم يحضر مستشفى النساء والولادة والأطفال بالعاصمة المقدسة يومها إلى حفل التكريم، ولا مسؤولوه. فهو يحتاج لـ881 معيارا دوليا تتعلق بالخدمة والأنظمة والسلامة نصت عليها أنظمة المجلس الرقابي المرتبط بمجلس الخدمات الصحية في المملكة، وإلى 4 أيام تحت مجهر لجنة من المجلس لتتأكد من توافر المعايير الصحية العالمية المعتمدة من هيئة الاعتماد الأميركية أو الكندية أو الأوروبية.
وبحسب حديث الربيعة يوم التكريم، فإن مستشفى كهذا وغيره، سيأتيهم دورهم لـ"تحقيق إنجاز الأداء وجودة الأداء"، وأشار وقتها إلى أن المستشفيات التي حازت الثقة هي إنجاز يحتسبه القائمون على هذه الوزارة نقطة البداية إلى مزيد من النجاحات في كافة مرافقها بهدف خدمة المواطن السعودي.
أما رئيس المجلس المركزي لاعتماد الجودة الدكتور محمد بن حمزة خشيم، فأشار في تصريح بثه نهاية يوليو المنصرم إلى 60 مستشفى ستخضع هذا العام إلى تطبيق معايير الاعتماد للحصول على شهادات محلية وعالمية بهدف تجويد الخدمات الصحية والتقليل من الأخطاء الطبية.
ولا يعرف اليوم إن كان مستشفى النساء في العاصمة المقدسة سيصعد المنصة غدا أم لا.. فأمامه قائمة بمئات المتطلبات.