فاز العداء البريطاني من أصل صومالي، محمد فرح، بالميدالية الذهبية في سباق 5000 متر ضمن بطولة العالم لألعاب القوى الأخيرة في مدينة دايجو في كوريا الجنوبية. كما فاز بذهبية سباقي 10000 متر، و5000 متر في البطولة الأوروبية لألعاب القوى عام 2010، وفاز أيضا بالكثير من الميداليات العالمية والقارية المختلفة. ومن المنتظر أن يحقق هذا العداء المزيد من الألقاب لوطنه في المحافل الدولية القريبة.
هذا العداء الذي تمزق بلده الأصلي المجاعة والحروب استطاع أن يصبح رياضيا لامعا عندما انتقل للعيش في بريطانيا. رفع علم بلاده الجديد عاليا في مشارق الأرض ومغاربها بعد أن حظي بمناخ ساعده على الإبداع والركض في الميادين برشاقة ولياقة وذكاء.
لقد حظي هذا العداء النحيل بدعم سمين ليس على مستوى الشركات التي أمطرته برعايتها كبوبا، ولوكوزاد سبورت، ونايكي فحسب بل على مستوى المجتمع الإنجليزي الذي أغدق عليه بالتشجيع الذي سالت على إثره الدموع والانتصارات.
إن الجينات العربية لا تختلف عن الغربية لديها القدرة على الفوز والانتصار والإبداع لكن تنقصها البيئة المشجعة التي ترفع من شأن الفرد وتمنح أبناءها الريادة واعتلاء المنصات وحصد الإعجاب. وإذا كنا نتحدث عن الإعجاب والإبداع فلا يوجد شخص على هذه البسيطة حاليا يُجمع العالم على موهبته وقدرته كستيف جوبز، مؤسس أبل، التي أبهرت منتجاتها الجميع كبارا وصغارا. إن ستيف جوبز كما هو معروف ابن لطالبين جامعيين سوريين هما عبدالفتاح جندلي، من حمص، وجوان شيبل. وعندما رفض والد جوان زواجهما عرضا ابنهما للتبني، وكان من نصيب بول جوبز، الذي أضحى أباه ومن يحمل اسمه. لعل الإنجازات العظيمة التي حققها جوبز مع أبل، التي غادرها في منتصف الثمانينيات وعاد إليها في منتصف التسعينيات، ونكست وبيكسار، تعكس مهارة تقنية غير مسبوقة وذكاء لافت. إن نجاح جوبز الذي أطبقت شهرته الآفاق دليل أن الجينات العربية الجديدة بوسعها أيضا أن تصنع مبدعين لا يشق لهم غبار متى ما توفرت لهم الأجواء الملائمة التي لا تفرق بين شخص وآخر بسبب قبيلته أو مكانته أو ماله. المناخ الصحي الذي يوفر العدل والمساواة والتشجيع هو أكثر ما يحتاج إليه الإنسان العربي اليوم لكي يصل لما وصل إليه نظيره الغربي. لو التفتنا حولنا لوجدنا للأسف أنصاف موهوبين منحوا رعاية لا يستحقونها في حين يعاني آلاف الموهوبين الحقيقيين من الإهمال وتشرد أحلامهم. إن التشرد ليس على كل حال هو انعدام السكن، وإنما انعدام وجود مكان نحلم فيه.
الأمريكي ستيف جوبز لم يتبنه ثري بل عامل متواضع في مصنع، بيد أنه نشأ في مجتمع يهب أبناءه كل السبل والفرص التي تتيح لهم التفوق والبروز متى ما استثمروها بجدية وذكاء. حصل جوبزعلى الدعم من القطاعين العام والخاص دون توسل أو استجداء. ناله لأنه مواطن لديه مشروع واعد تجسده الجدوى الاقتصادية والرؤية والإمكانات الشخصية. لم ينل جوبز أي امتياز لأي سبب خلاف إمكاناته التقنية وإصراره الذي جعله يصعد سلم المجد دون أن تثبطه التحديات والمنافسة الشرسة.
إن المبدع لا يحتاج بالضرورة إلى وطن ثري ماديا ليرعاه، بل ثري إنسانيا ليحتضنه ويعتني به. تفتقر الكثير من أوطاننا إلى اللمسة الحانية. فهذه اللمسة لا تتطلب أصابع بخواتم مرصعة بالألماس. إنها تتطلب أي أصابع تربت على الأكتاف.
سانت لوسيا، الجزيرة الصغيرة في شرق البحر الكاريبي على حدوده مع المحيط الأطلسي، والتي يبلغ سكانها 173 ألف نسمة، حصلت مرتين على نوبل: في الأدب عام 1992، وفي الاقتصاد عام 1979، بينما لم تستطع دول الخليج مجتمعة، والتي يبلغ سكانها نحو 38 مليونا، الحصول على نصف جائزة.
يجب أن نحتضن مواهبنا ونرعاهم لنتذوق طعم الفوز الذي طالما انتظرناه. سئمنا من التفرج على الآخرين ينتصرون ويتقدمون ونحن نتجرع الخسائر والمرارة والفقد. إن فرح وجوبز أثبتا بما لا يدع مجالا للشك أنه بوسعنا أن نتقدم، لكن علينا أن نتعلم. نتعلم من الدروس التي جعلتنا أعظم أمة تصدر مواردها البشرية لتستوردها لاحقا حزنا هائلا. مشكلتنا المزمنة أن (الفرح) لدينا، لكننا نبحث عنه في مكان آخر!