فتاة تسلم عفتها لرجل بدعوى أن ذلك رقية شرعية، وقاض يتجاهل الحقائق المادية ويطلب شهادة أحد الرقاة، وعاملة منزلية طارت من سطح المنزل إلى مكان مجهول، ولاعبو كرة قدم يبحثون عن من يفك عنهم السحر ليتمكنوا من تسجيل الأهداف وآخرون يرتدون ربطات تلازم أيديهم، وأقارب يخفون كل حركاتهم وسكناتهم عن أقرب الناس إليهم، وامرأة تحمل وتضع وتخفي ذلك عن أقرب الناس إليها، وأشخاص حياتهم تسير وفق ما يرونه في المنام وآخرون يصرفون مدخراتهم على وصفات شعبية وخلطات من الأعشاب لا تنفع ولا تضر. هذه ليست مشاهد كرتونية أو مقتطفات من كتب الأساطير الشعبية، هذه أحداث وقصص حقيقية يتم تداولها في بعض وسائل الإعلام ويتم التعاطي معها بشكل جدي يوحي بأن غالبية الناس يؤمنون بها ويصدقونها.
ومثلما يشهد هذا العصر ثورة في التقدم التقني والمعلوماتي فهو يشهد انتكاسة في بعض الجوانب الثقافية ورجعة قوية إلى ثقافة الدجل والخزعبلات وإهانة العقل وتسطيح الفكر من خلال معتقدات وهمية تفرض حضورها بقوة في وقتنا الحالي. وقد يكون السبب في ذلك هو بعض الموروثات الثقافية التي تبارك هذه التصرفات، وربما يكون ذلك ناتج عن تفشي بعض الأمراض المستعصية والمشكلات النفسية والبطالة والفراغ والكبت والعنوسة في المجتمع في غياب كامل للحلول العقلانية والمنطقية لجميع هذه المشكلات، فيلجأ الناس إلى البحث عن حلول وهمية وذلك من خلال اللجوء إلى الخرافة للهروب من هذا الواقع الذي لا يريدون تصديقه والتعامل معه بعقلانية ويجدون أشخاصا يبيعونهم الوهم ويقدمون لهم التفسيرات والحلول والوصفات الشافية للمشكلات التي يعانون منها ويسعدونهم بتفسيرات وردية للأحلام أو تقديم وصفات علاجية لا تصلح حتى للبهائم.
ماذا أصاب البعض في السنوات الأخيرة وجعلهم يتشبثون بمعتقدات وأفكار غريبة لا تحترم العقل ولا تخضع للمنطق والبعض منهم في بحث دائم عن سبب لكل ما يحدث في حياته ويفسره وبشكل مبالغ فيه بتفسيرات لا تخرج من دائرة الوهم والدجل وما شابه ذلك. هذه السلوكيات تركت آثارا سلبية على العلاقات الاجتماعية وأفسدت بين الأقارب وجعلت كل إنسان متخوفا من أقرب الناس إليه، خصوصا عندما يتم اللجوء إلى المشعوذين والدجالين ومفسري الأحلام والرقاة الذين يدعون أنهم شرعيون ويصبون زيوت الخرافة على نار الجهل وينتج عن ذلك تصدع في العلاقات الأسرية والاجتماعية عندما يوهمون المستعين بهم بأن مشكلته حسد أو إصابة عين مصدرها أحد أقاربه أو أحد أصدقائه.
ثقافة الخزعبلات تزدهر عندما تكون المجتمعات في مرحلة ما قبل النضج، فنجد أن الأفراد والجماعات المكونة للمجتمع في هذه المرحلة تكون سهلة الانقياد وتغلب عليها الغوغائية وتميل إلى تقديس موروثات ثقافية بعيدة عن العقلانية والمنطق وتلقى قبولا منقطع النظير من قبل الغالبية الساحقة من الناس وغالبا ما يكون الناس غارقين في التقليد الأعمى غير متفكرين في النتائج، وفي هذه المرحلة يتأثر البعض بالثقافة السائدة والبعض منهم يغلب عليهم تقليد الآخرين دون استعمال للعقل وتقليد سلوكيات ساذجة دون تفكير في نتائجها وعواقبها.
الخرافة والدجل هما أسوأ منتجات الجهل ويزدهران في المجتمعات المنغلقة ولا سبيل إلى الخلاص منهما إلا عن طريق إعمال العقل البشري وفتح أبواب النقد لهكذا معتقدات والتوعية المستمرة، إضافة إلى تطبيق عقوبات مشددة بحق من يثبت أنه يتعمد استغلال مكانته في التغرير بالبسطاء والمرضى ومن يعانون من مشكلات اجتماعية أو نفسية أو من يستمد ثقة الناس فيه بتلبسه لباس الدين ثم يستغل هذه الثقة في استغلال جيوب أشخاص أنهكهم المرض وأحبطتهم الظروف فيأكلون أموال المرضى والمساكين بالباطل ويستغلون الإنسان عندما يكون في وضع صحي ونفسي حرج.