صرح المتحدث الرسمي باسم الهيئة العامة للطيران المدني أنها تدرس السماح لشركات الطيران الخليجية بتقديم خدمات النقل الجوي الداخلي بين المدن السعودية.
وأوضح الأستاذ/ خالد الخيبري في تصريح صحفي أن هذا الموضوع قيد الدراسة والبحث من جميع الجوانب ومحل اهتمام من قبل الطيران المدني للتوصل إلى نتائج من شأنها أن تخدم وتعزز من فاعلية سوق النقل الجوي الداخلي بما يعود بالفائدة على تنمية القطاع الاقتصادي والاجتماعي.
هذا كان مطلب مدير عام مؤسسة الخطوط الجوية العربية السعودية في لقاء سابق جمعه مع مجموعة من أعضاء مجلس الشورى الذين انتقدوا المؤسسة، بعد كل هذه السنين من تردي الخدمات.
يتذكر كل منا مواقف سيئة، لكن الملاحظ أن المواقف تزداد سوءا وكثرة مع مرور الأيام. النقل الجوي اليوم لم يعد بالتعقيد الذي يحاول ناقلنا الوطني إقناعنا به. أصبحت تستطيع أن تشتري التذكرة من أي مكان. تستطيع أن تدفع بكل الوسائل. تستطيع أن تغير الوجهات والتذاكر بالهاتف أو الحاسب الآلي. كل الشركات تعترف بتذاكرها ماعدا ناقلنا الوطني.
الناس يستطيعون أن يحجزوا في أي وقت قبل إقلاع الطائرة. لا توجد تلك الطوابير الطويلة أمام موظف مكتئب، غاضب يسمى موظف الانتظار. لا يوجد أشخاص يسحبون كوبونات الصعود للطائرة والركاب ينظرون دون اعتراض. لا يوجد إلغاء حجز تعسفي دون وجود حق للتقاضي. هناك رحلات تكفي الناس حتى وإن تأخر قرار سفرهم عن الموعد الذي يرغبه الناقل.
إن الحكم على نجاح الخدمة يجب أن يأتي من المستخدم العادي. هذا ليس ممكنا في حالة الخطوط السعودية، لأن الممتعضين من الخدمة هم عِلية القوم، أعضاء مجلس الشورى، وهم من كثيري السفر بحكم حاجة العمل، وغيرهم كثر.
التنافسية، والخدمات المميزة ليست من مزايا المؤسسات التي يديرها القطاع العام. هذه قاعدة اقتنع بها العالم أجمع، ومحاولة تخصيص الخطوط السعودية مرت بمراحل لم يكن لها داع، وتم تقسيمها لمجموعات وقطاعات في محاولة مستميتة للبقاء أو إبقاء الوضع على ما هو عليه.
تحملت ميزانية المؤسسة مبالغ كبيرة عندما اعتمدت مفهوم "الشيك الذهبي"، ترافقت مع خسارة عدد كبير من الموظفين المميزين. لكن الحلول التي تنجح في قطاع معين لن تنجح بنفس القدر في قطاع آخر. عندما بدأ الحديث عن الخصخصة بجدية، تحدثت مع أحد مسؤولي الخطوط وكان يوضح لي طريقة تنفيذ التخصيص. كان يتحدث عن تقسيم المؤسسة إلى خمسة قطاعات أولها التموين، ونحن نعلم أين وصل تخصيص تموين السعودية. اكتشفت في ذلك اليوم أن هذه المؤسسة لن تخصص برغبتها، هذا يا سادة ما يسمى "مقاومة التغيير".
تبلغ اعتمادات المؤسسة حسب ميزانية هذا العام 21 مليار ريال. تشغل حوالي 120 طائرة بسعة مقعدية تبلغ 22000 مقعد إلى 98 وجهة وتنقل حوالي 21 مليون راكب وتوظف حوالي 24000 موظف "حسب إحصائية عام 2009". بمعنى أن كل مقعد يخدم حوالي ألف راكب. وتبلغ تكلفته مليون ريال في العام. كما تبلغ تكلفة الموظف ثمانمئة وخمسة وسبعين ألف ريال في العام.
لنقارن الأرقام بشركة طيران الأمارات التي احتلت موقع السعودية كأكبر ناقل في الشرق الأوسط. الإماراتية تشغل 150 طائرة بسعة مقعدية تبلغ 50200 مقعد إلى 111 مطارا ونقلت أكثر من 41 مليون راكب عام 2010 ويعمل بها 38000 موظف وبلغت أرباحها 5,4 مليارات درهم إماراتي، كما يخدم المقعد فيها 820 راكبا، و تبلغ تكلفته حوالي مليون درهم في العام ويكلف الموظف الشركة أكثر من مليون وثلاثمئة ألف درهم.
الفارق المهم بين الشركتين هو أن كل موظف في الخطوط السعودية يحقق أقل من مقعد واحد للشركة، بينما موظف الإماراتية يحقق 1,32 مقعد للشركة. والفرق الآخر أن نسبة مقاعد الرحلات الداخلية في مقاعد الخطوط السعودية يزيد عن 40%، بينما يكاد يكون معدوماً في رحلات الإمارات. هذا يدل على وجود هدر كبير في الخطوط السعودية كون المقاعد الداخلية لا يمكن أن تتجاوز تكلفتها 30% من تكلفة المقعد الدولي. وهذا ما يفسر خسائر السعودية مقارنة بأرباح الإماراتية.
أعجبني اعتراف مدير عام المؤسسة بفشل الخطوط فيما تقدمه من خدمة لركاب الداخل. ورغبته أن تقوم المؤسسة بالتركيز على العمليات الدولية. يعتمد نجاح السعودية في النقل الدولي على الحمائية العالية التي تقدمها لها الأنظمة المعمول بها من ناحية قيود السعر والتحكم في عدد الرحلات للشركات المنافسة. الحجوزات على شركات الطيران الأجنبي المغادرة للمملكة تكاد تكون ضعفها على الخطوط السعودية، ولو لم تكن هناك قيود على عدد رحلات الناقلين الآخرين لانخفض عدد ركاب السعودية. ولنتخيل السماح لحاملي أوامر الإركاب باختيار الشركة التي يرغبون في السفر عليها.
تحويل الخدمات الداخلية لناقلين آخرين سيقدم إجابات مهمة. ذلك أن تحول المؤسسة إلى الربحية سيؤكد المفهوم الذي تتبناه إدارة المؤسسة. أما استمرار المؤسسة في تكبد المزيد من الخسائر، فهو يعني ضرورة القيام بعملية إعادة هيكلة فورية، كما حدث مع شركة سمارك. أي إجراء سيتم اتخاذه سيكون له مستفيدون وخاسرون، هنا لا بد أن نؤكد أن الخاسرين من هذه المعادلة كثير، لكن المستفيد الأكبر هو الوطن والمواطن. حماية المال العام وتقديم خدمات طيران متقدمة للمواطن هو الهدف النهائي الذي يجب على الجميع العمل لتحقيقه.