"كل ما وددنا قوله هو إيضاح الناحية العلمية في تخصصنا الفلكي؛ باستحالة رؤية هلال هذا العام في المنطقة الشرقية والوسطى، وإلا فإننا ملتزمون بالفصل الشرعي للمسألة ومرجعيته، ونصوم ونفطر بما يقرّه علماؤنا".

السطور السابقة كانت لأحد أبرز الفلكيين السعوديين وهو الدكتور عبدالعزيز الشمري، ينقل عن بقية زملائه المتخصصين في علم الفلك، وهو ما يعطي اطمئناناً تجاه أحبتنا هؤلاء، الذين اقتضت الأمانة العلمية في إيضاح ما لديهم.

كتبت ثلة من الشرعيين رؤيتها حيال المسألة، وأوضح أحبتنا الفلكيون أيضاً تلك الاستحالة التي جزموا بها، وساندهم بيانٌ موقع من خمسة وعشرين فلكياً عربياً رفيعاً؛ تؤكد رؤية إخواننا هؤلاء، بيد أن سطور المقالة تتجه إلى البحث عن حلول في إمكانية استصحاب الرؤية الفلكية، وآخر ما توصل له العلم في هذا المجال، أثناء الرصد والتحري، لأنها في النهاية شعيرة تعبدية ويفصل فيها الشرع فقط.

للأسف، وأثناء تصفحي مواقع الانترنت، ألفيت أن علماءنا الفضلاء صوروا بطريقة خاطئة في وجدان كثير من الجيل الجديد، ما يدعوني هنا للدعوة إلى ورشة عمل، تجمع هؤلاء الفلكيين مع سادتنا علماء الشرع، لوضع تصوّر ومنهج، يستفيد الشرعيون من علم إخوانهم الفلكيين، وبالتأكيد سيصلون إلى نتائج هي في صالح هذا الدين والوطن، ومن ثمّ تكون أنموذجاً رائداً لكل الأمصار الإسلامية، فنحن رأس وقلب هذا العالم الإسلامي.

كلي يقين بأن مثل هذه الدعوة الحادبة ستلقى صدى عند علمائنا الحفيّين أصلاً بآراء المتخصصين في العلوم الأخرى وهم يفتون في المسائل الخاصة، لأن دخول الإعلام في هذا العام بهذه القضية، وما قامت به بعض الفضائيات كقناة الجزيرة، أساء كثيرا لصورة علمائنا..

من زاوية أخرى، على أحبتنا في وزارة العدل أيضاً، الاستعانة برؤية أصحاب الفلك ممن يوثق في علمهم، فعندما يقول المتخصصون بأن قمر هذا العام سيغيب قبل الشمس في المنطقة الشرقية، ويغيب في ذات الوقت مع الشمس في المنطقة الوسطى، ويغيب بعد الشمس بست دقائق في جازان، وثلاث دقائق في منطقة مكة المكرمة، فعلى سادتنا القضاة أن يردوا أصحاب المناطق التي جزم فيها العلم الفلكي باستحالة رؤية الهلال، وقد قال بهذه الاستحالة شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله من القرن السابع في تفصيل مذهل منه، ويمكن قبول رؤية الشهود في مناطق مكة وجازان وهكذا..

والحقيقة فجعتني نتائج بحث قام به الباحث عدنان عبد المنعم قاضي كان عنوانه: (دراسة فلكية: مقارنة بين يومي الدخول الرسمي والفلكي لشهر رمضان في المملكة العربية السعودية ـ مكة المكرمة ـ للفترة 1380 ـ 1425 هجرية) قارن فيها الباحث بين يوم دخول شهر رمضان في المملكة كما أعلن رسمياً عن دخوله، واليوم الذي يحقق الشروط الفلكية للرؤية التي وضعها علماء الفلك والشريعة المسلمون في مؤتمر تحديد أوائل الشهور الهجرية الذي انعقد في إسطنبول، بتركيا في الفترة من 26 حتى 29 ذو الحجة 1398 هجرية، وبعدما رصد ستة وأربعين عاماً، وقد أظهرت الدراسة أن طريقة الرؤية التقليدية المتبعة في إعلان دخول رمضان وافقت الحساب العلمي الفلكي -كما حدد في مؤتمر إسطنبول- في ست حالات فقط من ست وأربعين حالة، وعارضته في أربعين حالة، وكان الهلال بعد غروب الشمس تحت الأفق في تسع وعشرين من ست وأربعين حالة، جزم فيها باستحالة الرؤية بحسب معايير وضوابط ما اتفق عليه الشرعيون والفلكيون في المؤتمر الآنف.

من الناحية الشرعية؛ بالتأكيد صيامنا صحيح، وفطرنا صحيح، طالما أعلن عن ذلك، ولكن الكمال مطلوب، وهو راحة للنفس واطمئنان للقلب، ومفترض على وزارة العدل التي يرأسها وزير نحسبه مستنيراً وملمّاً ومنفتحاً على العلوم الأخرى؛ أن يأخذ بآراء الفلكيين الثقاة، ولعلي هنا في هذا المقام، أوجه دعوة للمسؤولين بإيجاد مظلة رسمية تجمعهم غير مدينة الملك عبدالعزيز، كي تتوّحد آراؤهم وكلمتهم، ولا ينبّت عنهم من مثل أولئك الشباب الهواة الذين قاموا بهذا اللغط واللجج.

لطالما تمنيت، وتمنى كثير من المسلمين بتوحيد أعيادنا على امتداد العالم كله، وعندما يتأمل المرء موقف علماء الشريعة في البلاد العربية والإسلامية المختلفة ليجد أنهم منقسمون إلى ثلاث مجموعات، الأولى تأخذ بالحساب الفلكي بديلاً عن الرؤية كليبيا وتونس والجزائر وتركيا وماليزيا وبروناي وإندونيسيا، بينما الثانية تأخذ بالحساب الفلكي كمدخل للرؤية الشرعية الصحيحة، ولكنه ليس بديلاً عنها كمصر، وأما الأخيرة فهي تتمسك بالرؤية بالعين المجردة أو التلسكوب أو المنظار وترفض الحساب الفلكي ونتصدرها نحن في السعودية ومعنا الهند وباكستان وبنجلاديش والمغرب، وأما قطر والكويت والإمارات والبحرين واليمن وسوريا والأردن فهم يتبعوننا هنا في السعودية، وبرغم عشرات المؤتمرات الفقهية التي ناقشت موضوع توحيد الأعياد كما في (مؤتمر توحيد أوائل الشهور العربية بماليزيا 1389، ولجنة التقويم الهجري الموحد بإسطنبول 1398، والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة 1400، وندوة إثبات الأهلة في الكويت 1409)، وللأسف خرجت كل هذه المؤتمرات بإعطاء كل قطر في تحديد دخول العيد، ما يجعلني أوجه رجاء هنا للسيد أكمل الدين إحسان أغلو بإعادة النظر في الموضوع، وطرحها من جديد، لأن أصل الاختلاف وجذره سياسي بتصوري، وإلا فكيف كانوا في أزمنة الدولة الأموية والعباسية وحتى العثمانية يصومون لرؤية واحدة..

نجاحنا هنا في بلادنا بتوحيد رؤيتنا، سيكون سبباً في نجاح توحيد أعياد المسلمين.. ثقوا بهذا.