في العصر الحديث وما يشهده العالم من صراعات سياسية واقتصادية ودينية، تبقى وتقوى وتزداد أهمية الإعلام في لعب دور حيوي ونوعي، ليس فقط في الدفاع عن مصالح الدول ومستقبلها من خلال نقل الأخبار وتحليلها وعرض البرامج الرسمية وغير الرسمية، بل ـ وهو الأهم ـ القيام بتوعية المواطن بما تقوم به الدولة ـ أعزها الله ـ من خدمات وتطوير في داخل وخارج المملكة، وليس ما تقدمه الدولة من خدمات جليلة للمعتمرين والحجاج إلا شاهداً بارزاً على حجم ونوع وأهمية هذه الخدمات.

الإعلام في شكله الحديث وأدواته المتنوعة والمتجددة يمثل سلاحاً وقوة في أيدي الدول والأفراد على حد سواء، فالإعلام يرفع شأن دول، ويحسن شأن دول وقد يشوهها، ويقدم الحقائق وقد يخفيها، مما يتطلب الاستثمار الأمثل في الإعلام بكل أشكاله المرئي والمسموع والمكتوب، استثماراً يختلف عن الاستثمار التقليدي الحكومي، الذي يتمثل في تخصيص موازنات سنوية تخصص للرواتب والأجهزة، استثماراً يتطلب وضع رؤية وأهداف استراتيجية، وبرامج ومشاريع وميزانية وبرنامج زمني لكل قناة على حدة، فكل قناة تمثل برنامجاً مستقلاً يحمل أهدافا مستقلة.

خلال العقود السابقة، قامت وزارة الإعلام مشكورة بشقيها الإذاعة والتلفزيون، بأدوار حيوية وتاريخية، وكانت جميع الجهود المبذولة تعتمد على عناصر بشرية سعودية، نتج عنها عدد من البرامج والندوات والتغطيات المستمرة بجودة عالية ومستوى متميز، ولكنها تبقى اجتهادات ونتائج محدودة بالمقارنة بما ينبغي القيام به الآن، وبالمقارنة مع ما تقوم به القنوات الفضائية الأخرى سواء العربية أو العالمية. ولكي تكون الصورة أوضح، يمكن لنا مقارنة أداء ومدى انتشار وتغطية وجودة قناة الإخبارية السعودية مع قنوات مماثلة في الأهداف والرؤية والبرامج، مثل قناة العربية والـ (CNN) العالمية.

لا شك أن قناة العربية خطت خطوات جبارة خلال سنوات محدودة لتحتل مكانة عالية في خارطة القنوات العالمية الإخبارية، فقد أصبحت العربية إحدى القنوات المفضلة الأولى في المنطقة العربية، إن لم تكن الأولى، وأصبحت تتنافس مع قنوات إخبارية عربية وعالمية مثل CNN والجزيرة وبي بي سي العربية وغيرها من القنوات العالمية. وحتى نفهم ونفسر أسباب التفوق للعربية مثلاً، يجب أن ننظر إلى عدد من العوامل، التي من أهمها:

1. ميزانية ضخمة تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات سنوياً، وهي ميزانية خاصة بالقناة، ومستقلة عن القنوات الأخرى التابعة لمجموعة إم بي سي التابعة لها قناة العربية.

2. تخصيص الجزء الأكبر من الميزانية السنوية للصرف على موارد بشرية متخصصة، سواء كانوا موظفين فنيين وإعلاميين رسميين أو ضيوفا من شتى بقاع العالم. ولعله من المهم التنويه بأن الجزء الأكبر من ميزانيات القنوات التلفزيونية يتم تخصيصه للصرف على الضيوف والتقارير الخارجية، بمعنى أنها أموال خارجة أو غارقة وليست مستردة بصورة استثمار أو أصول ملموسة، وإنما بصورة خبر أو برنامج أوتقرير أوتحليل.

3. استقطاب أفضل مقدمي البرامج والمذيعين والمحللين والفنيين وكذلك الإداريين، والمحافظة عليهم، وذلك بمنحهم رواتب تنافسية تضمن بقاءهم وولاءهم للقناة، والوقائع تؤكد ندرة وارتفاع تكلفة الموارد البشرية الإعلامية المتميزة.

4. التعامل مع القناة كمركز استثماري وليس مركز تكلفة.

5. منح صلاحيات إدارية ومالية لإدارة القنوات ومساءلتها عن النتائج وليس على الإجراءات.

6. البحث والتطوير في برامج وندوات جديدة، مع تخصيص ميزانيات كافية، واستقطاب أفضل الكفاءات لها.

7. الانتشار الجغرافي، مع توفير أفضل التقنيات والموارد البشرية الفنية والإدارية في مواقع الحدث.

وحتى يمكن للإخبارية والقنوات السعودية الأخرى تطوير خدماتها ومقارعة القنوات الأخرى، ينبغي لها الاستفادة والتعلم مما تقوم به القنوات الأخرى – دروس مستفادة – من ناحية، وكذلك إعادة تقييم تجربتها من ناحية أخرى، على أن يتم عمل خطة أولية تتضمن بحد أدنى ما يلي:

1. تشكيل فريق عمل على مستوى الوزارة يقوم بدراسة الوضع الحالي للقنوات ووضع مقترحات لتحسين أدائها.

2. تشكيل فرق عمل فرعية لكل قناة، تضم عددا من العاملين في القناة ومتخصصين وخبراء من خارج القناة، وذلك لوضع خطة استراتيجية وتنفيذية لكل قناة.

3. تخصيص ميزانية كافية لكل قناة، مع منح الصلاحيات المالية والإدارية اللازمة لتحقيق أهداف القناة.

4. وضع مؤشرات أداء يتم على أساسها تقييم أداء كل قناة ومحاسبتها.

وفي هذا السياق، يمكن لنا أن نسترجع المناقشات التي دارت في مجلس الشورى حول أداء القنوات السعودية، وهو نقاش مشروع ومحمود من قبل المجلس، ونأمل أن يستمر هذا النقاش والتحليل حتى نصل إلى وضع وتنفيذ حلول استراتيجية من شأنها تحسين أداء القنوات السعودية، أحدها دون شك تخصيص ميزانيات معقولة وتنافسية لكل قناة.

ولأن الإعلام من أهم أسلحة الأمم في العصر الحديث، فقد خصصت دول كثيرة ميزانيات ضخمة للصرف منها على الإعلام، إيماناً منها بدور وأهمية الإعلام كواجهة وبوابة دفاع وهجوم في آن واحد. وفي هذا السياق، فقد يكون من المناسب إعادة النظر في حجم ومستوى الدعم المالي المتاح للقنوات السعودية ومدى كفايته وقدرته على تحقيق الأهداف الإعلامية الوطنية المرجوة من القنوات السعودية.