يعتقد الكثير من الاقتصاديين بأن نكسة الكساد المزدوج التي كانوا يخشونها قد أصبحت شبه مؤكدة التحقق خلال الأشهر القليلة القادمة، في الدول الصناعية على الأقل. ويقصد بانتكاسة الكساد المزدوج double-dip recession توقف مؤشرات الانتعاش المتردد الذي رأيناه في الأشهر الماضية والعودة إلى المسار الهابط في النمو الاقتصادي، الذي ميز بدايات الأزمة المالية خلال عامي 2008 و2009.

وكنت قد تحدثت عن تحذيرات المؤسسات المالية الدولية خلال الأسبوعين الماضيين من أزمة اقتصادية جديدة هذا الخريف على ضفتي المحيط الأطلسي، أوروبا وأميركا، وتمتد آثارها إلى بقية دول العالم.

وفي حال صدقت هذه التوقعات، ستكون تأثيرات نكسة الكساد المزدوج بعيدة المدى على الاقتصاد العالمي، وليس فقط الدول الصناعية. فالدول الصناعية هي السوق الرئيسية والمستهلك الأول لسلع الدول النامية والناشئة وحديثة النمو، وهي كذلك المصدر الرئيس للاستثمار والمساعدات التنموية للدول النامية. ولذلك فإن جميع دول العالم ستتأثر سلباً من الأزمة التي تصيب الدول الصناعية.

وبالإضافة إلى تأثره بالركود الاقتصادي العالمي مثل غيره من المناطق، يواجه العالم العربي هذا العام تحديات اقتصادية إضافية ناشئة عن التطورات السياسية التي يمر بها، فأحداث اليمن مثلاً قد شلت الحركة الاقتصادية، وبالمثل بدرجات متفاوتة في سورية ومصر وليبيا وغيرها.

وبالنسبة لدول النفط فإن الدول الصناعية هي المستورد الأول للبترول، ولذلك فإن أي تباطؤ في اقتصاد الدول الصناعية سينعكس سلباً على الأسعار، وهذا بدوره سيؤدي إلى انخفاض دخل الدولة.

ومثل الدول الصناعية، فإن دول البترول تواجه معضلة اتخاذ القرار المناسب، فهل تقلص الإنفاق بما يتناسب مع انخفاض الدخل، أم تستمر في برامج التحفيز الاقتصادي؟ من الناحية العملية والسياسية، يبدو أن استمرار برامج التحفيز هو الخيار الأكثر قبولاً. ولكن برامج التحفيز يجب ألا تتحول إلى برامج للضمان الاجتماعي، أو دعم للنزعة الاستهلاكية، لأن ذلك يعني استنزافاً للموارد المتاحة، المالية والطبيعية، وضغطاً مباشراً على الأسعار، دون مردود طويل المدى. ولذلك فإن خطط التحفيز الناجحة يجب أن تكون موجهة إلى ثلاثة مجالات هي في أمس الحاجة إلى التطوير:

ـ تطوير قدرة الموارد البشرية الوطنية على التنافس والإبداع، حيث ما زالت دول المنطقة تعاني من شح العمالة الوطنية المزودة بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل.

ـ تطوير البنية التحتية (المواصلات والاتصالات والمطارات) بما يتلاءم مع المستوى الاقتصادي لدول الخليج، وبما يخدم خططها التنموية الطموحة.

ـ تحفيز أنشطة اقتصادية منتجة، خاصة في مجالي الصناعة والخدمات.

وأسباب الانتكاسة الجديدة، كما أصبح معروفاً الآن، هي أزمة الديون السيادية في أوروبا والولايات المتحدة، وصعوبة التعامل معها بسبب الأزمة الاقتصادية. ففي الظروف العادية، يمكن السيطرة على الدين الحكومي عن طريق تخفيض النفقات الحكومية بما يحقق توازناً في الميزانية يوقف الارتفاع في الدين الحكومي على الأقل. وربما أمكن ـ وهو الأفضل حتماً ـ تحقيق فائض في الميزانية يمكن استخدامه في تسديد الدين وبالتالي تخفيض مستواه.

أما في الأزمة الحالية فإن تخفيض الإنفاق الحكومي ليس أداة ممكنة لدى الكثير من الدول، إذ إنه قد يؤدي إلى تعميق الكساد الاقتصادي، ويكون العلاج بذلك أسوأ من المشكلة. ولهذا نجد بعض الدول التي تواجه أزمة ديون تتردد في تخفيض الإنفاق لأن ذلك يؤدي إلى تخفيض معدلات النمو الاقتصادي، فضلاً عن تأثيره السلبي على المواطن العادي في وقت يواجه فيه الملايين البطالة وانخفاض الدخل بسبب الأزمة الاقتصادية.

ولذلك رأينا الولايات المتحدة ترفع سقف الدين بدلاً من خفض نفقاتها ومنع تراكم ديون جديدة. وقد أدى ذلك، والجدل الدائر حول هذا الموضوع بين إدارة أوباما والحزب الجمهوري، إلى اهتزاز الثقة في متانة الاقتصاد الأميركي، وخفضت إحدى وكالات الائتمان (ستاندارد آند بورز) التصنيف الائتماني السيادي لأميركا لأول مرة في تاريخها.

وخلال الأسبوع المنصرم، تخلى بن برنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (محافظ البنك المركزي الأميركي) عن موقفه السابق بأن الأزمة "عابرة" transitory ، واعترف في حديث له بأن المشاكل التي يواجهها الاقتصاد أكثر عمقاً وديمومة مما كان يتصور، وأن الانتعاش الاقتصادي أقل قوة مما كان يأمل، على الرغم من الحوافز التي تم تقديمها بمستويات غير مسبوقة، سواء من قبل الإدارة والكونجرس، أو من قبل البنك المركزي نفسه. وبدلاً من أن تؤدي تلك المحفزات إلى ارتفاع معدلات النمو، يتوقع برنانكي الآن أن يكون معدل النمو خلال الفترة القادمة أقل مما كان في النصف الأول من هذا العام، وأن تكون مخاطر التراجع والنكسة الاقتصادية أكبر في المستقبل.

وحال ما وصلت هذه الملاحظات إلى الأسواق المالية أصابتها بالهلع، فهبط مؤشر داو جونز أكثر من 300 نقطة أو 3% في يوم الجمعة الماضي (9 سبتمبر)، وانخفض مؤشرا NASDAQ و S&P بنسب مقاربة.

ولم يوضح برنانكي حتى الآن ما ينوي عمله أو اقتراحه لمواجهة هذه النكسة التي أصبحت شبه مؤكدة، وخيب آمال المراقبين الذين كانوا يتوقعون أن يكشف بعض أوراقه خلال الأسابيع الماضية. والمتوقع الآن أن يعلن برنانكي عن مقترحاته لمواجهة الأزمة في اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي القادم، المقرر عقده في 20-21 سبتمبر، ومن الممكن أن يتخذ في هذا الاجتماع عدد من الإجراءات التي تهدف إلى إنعاش الاقتصاد، مبنية على هذه القناعات الجديدة حول عمق الأزمة وديمومتها.