يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الراشي والمرتشي))، وقد اختلف بعض علماء المسلمين حول مفهوم الرشوة، إلا أن المفهوم السائد لدى غالبية الناس هو ارتباط الرشوة بالمبلغ المالي المدفوع إلى المرتشي لتحقيق مصلحة أو منفعة معينة، وهذا المعنى يعتبر مفهوماً ضيقاً وجزئياً للرشوة، حيث اقتصر المفهوم على الوسيلة النقدية فقط وأُهمل المحتوى الاجتماعي والظلم المصاحب للرشوة والهدف الحقيقي من ورائها.
وبالتالي فالرشوة ليست قاصرة فقط على دفع النقود أو حتى الهدايا العينية، وإنما تتضمن أيضاً جميع الوسائل الممكنة لتحقيق مصلحة شخصية وتقديم خدمة مشروعة أو غير مشروعة يترتب عليها الظلم وذلك عن طريق استغلال المنصب الوظيفي.
وتأسيساً على هذا المفهوم فإنه ما يسمى بالمفهوم السائد (الواسطة) يدخل ضمن إطار مفهوم الرشوة بمعناها الواسع، بل ويعد شكلاً رئيساً من أشكالها، وإن وجدت الواسطة في أي جهة حكومية أو شركة فاعلم أن هناك خللاً إدارياً ورقابياً فيها، وليس هذا فحسب بل يوجد فساد إداري ومالي يجب مكافحته.
ولكن للأسف الشديد فإن نظرة المجتمع إلى الواسطة تنطلق من منظور (الفزعة الاجتماعية)، وقد أصبغ على بعضها الصبغة الدينية أيضاً عن طريق التفسير والمفهوم الخاطئ لبعض الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.
فالبعض يرى أن للواسطة وجه حميد وهو ما كان لوجه الله سبحانه وتعالى لتسهيل إجراء أو مساعدة ضعيف أو محتاج أو رفع ضرر أو تشغيل عاطل وغير ذلك من وجوه السعي الذي أشار إليه الحديث النبوي الشريف (...خير الناس أنفعهم للناس).
والبعض الآخر يرى أن الواسطة تكون بحق القرابة أو القبيلة أو أي حق من حقوق العصبية، وذلك بناءً على مبدأ الأقربون أولى بالمعروف الذي أقرّه القرآن الكريم في أكثر من آية، وبالتالي إذا امتنع الموظف عن تسهيل معاملة ما، اعتبره أقرباؤه قد خالف أصول الشهامة والمروءة، وإذا خالف الأنظمة والتعليمات فقد أصبح في نظرهم رجلاً شهماً كريماً يتهافت عليه الناس.
ولمناقشة وتفنيد الآراء السابقة والتي تنطلق من عاطفة اجتماعية واضحة وترتكز على نظرة مثالية غير واقعية، قد تكون في معظم الأحيان مجرد تبرير لعمل لا تقرّه الشريعة الإسلامية، ولا الأنظمة والقوانين.
وهنا أذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: "ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيده، لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته.." .
وهذا الحديث ينطبق أيضاً على من يرى أن الواسطة لها وجه حميد في مساعدة الغير والمحتاجين وكذلك مساعدة الأقرباء، فصحيح أن المساعدة مطلوبة والجميع يتفق على ذلك، ولكن هذا النوع من المساعدة يكون من عطائنا ومالنا الخاص وليس على حساب أموال الناس والدولة، ومخالفة الأنظمة والقوانين.
كما أن هذا الرأي يعد كلاماً نسبياً ومطاطاً في نفس الوقت، فمن يدري أنه بمجرد مساعدة شخص محتاج يكون على حساب شخص آخر أكثر منه حاجة؟ ألا يعتبر ذلك ظلماً له؟..هذا من جانب
ومن جانب آخر، أنه بمجرد القفز على الأنظمة والتعليمات بحجة المساعدة أو (الفزعة)، فإن ذلك يعني وجود خلل إداري ورقابي، فكيف استطاع الموظف مخالفة القوانين دون محاسبة أو مساءلة ومن أعطاه هذه الصلاحية؟ كما أن ذلك يعد دليلاً على ضعف نظام الرقابة الداخلي، مما يعني فتح الأبواب للفساد بجميع أشكاله.
هذا فيما يتعلق بالجانب النظري للرشوة والواسطة، وفيما يلي استعرض بعض الأمثلة والحالات التي قد تحدث على أرض الواقع، وذلك للدلالة على أن الواسطة جزء ونوع من أنواع الرشوة، وذلك من خلال الدراسات والبحوث والأنظمة والقوانين.
فعلى سبيل المثال قد يعتلي أحد الأشخاص منصباً حساساً في أحد الجهات الحكومية، فبمجرد توليه هذا المنصب، يتكالب عليه الأقرباء والأصدقاء من كل جانب، ويتم إعداد الولائم و (الذبائح) ودعوة هذا الموظف إليها، وذلك بناءً على المثل القائل (أطعم الفم تستحي العين)، ومن ثم تبدأ المطالب بالواسطة ومساعدة الأقرباء، وتكون وسيلة الرشوة هنا ليست المال وإنما (الذبائح والولائم) وفي المقابل أيضاً الشهرة والسيادة للموظف بين أفراد قبيلته.
ومن أوجه الرشوة قيام بعض الموظفين بتقديم خدمة ومساعدة لآخرين يعملون في وظائف حكومية أخرى، ليقوم هؤلاء فيما بعد بمساعدتهم، وعلى هذا النحو تسير الأمور، عاملين بالمثل القائل " شيّلني وأشيّلك"، وتكون وسيلة الرشوة هي الخدمة المقدمة للآخر، وبالطبع تحت مسمى الواسطة.
ولتفعيل مظاهر الواسطة أو الرشوة، يتعمّد بعض الموظفين إلى تعقيد الإجراءات الروتينية أمام المراجعين، أو الكذب عليهم، كأن يقول أحد الموظفين في المستشفيات للمريض لا يوجد سرير شاغر، أو يقول أحد موظفي مكاتب الطيران لا يوجد مقعد شاغر، أو يقول أحد الموظفين في جهة حكومية ما قد نفذت كراسات الشروط والمواصفات أو البند المالي لا يسمح، أو النظام لا يسمح ، وهكذا، وتكون وسيلة الرشوة هنا هي القهر والابتزاز والامتناع عن تقديم الخدمة حتى يخضع المراجع لمطالب الموظف.
وخلاصة القول أن الرشوة يُقصد بها أيضاً استخدام الواسطة، وكما رأينا آنفاً أن وسائلها عديدة ولا تقتصر فقط على دفع المال النقدي، وهذا ما تضمنته مواد نظام مكافحة الرشوة في المملكة وبالتحديد المواد من 1 إلى 7، التي حددت أيضاً العقوبات المترتبة عليها، وبالرغم من ذلك فإن الأمر يحتاج إلى وضع آليات ومعايير ومؤشرات أكثر للحد من هذه الجرائم، وخاصةً إذا علمنا أن مؤشرات دافعي الرشوة ترتبط بعلاقة قوية بمؤشر مدركات الفساد، وبالتالي فإن هذا الأمر يقع على عاتق الهيئة الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد في المملكة.