أصبح من المسلمات في المجتمع السعودي أن تكون الدولة هي الموظف الرئيس. توظف الدولة ما يقارب 90% من الطاقة البشرية. يشمل هذا وظائف الخدمة المدنية والخدمة العسكرية والبنود بأنواعها ووظائف التأمينات الاجتماعية هذا إضافة إلى الشركات المملوكة للدولة التي تقوم بجل عمليات السعودة في سوق العمل السعودية.
يعتبر التوظيف الإلزامي من قبل الدولة من معوقات التنمية. أصبح الشخص يدخل أي مكتب للدولة ويجد عدداً كبيراً من الموظفين رغم ضآلة العمل الذي يقدمه المكتب، وتردي مستوى الخدمة المقدمة. نعم إنه ما يسمى "البطالة المقنعة"، هؤلاء الموظفون موجودون في المكتب، ولكنهم في الواقع لا يعملون ولا يقدمون قيمة مضافة للعمل.
كما أن الوظيفة العامة بحكم طبيعتها وظيفة بيروقراطية تنخفض كفاءة شاغليها في كل أنحاء العالم بسبب التركيز على الوسائل بدلاً من النتائج. الدولة ستعمل وهي ملزمة أن تعمل بغض النظر عن الربحية أو الفعالية.
توجهت أغلب دول العالم نحو تخصيص الكثير من خدماتها، كلما كان ذلك ممكناً. لدرجة تخصيص جزئيات من العمل إذا لم يكن تخصيص الكل ممكناً. هذا الأسلوب يسهم في إضفاء سمة العناية بالنتائج وكفاءة الإنتاج. هذا النهج أثبت نجاحه لدرجة أن بعض جزئيات العمل الأمني والعسكري تم تخصيصها.
فالأسلوب الأول الممكن هنا هو تخصيص جزئيات من العمل أو الأنشطة التي تديرها الدولة، حيث إن ذلك سيؤدي إلى إمكانية سعودة الوظائف دون الضغط على ميزانية الدولة والتأثير على الخطط المستقبلية. مع الإبقاء على الرقابة الحكومية على المخرجات النهائية. كما يمكن أن تحقق هذه الأنشطة إيرادات بدلاً من أن تصرف عليها الدولة مبالغ طائلة، يمكن أن نخصص مثلاً:
1- الخدمات البريدية.
2- الخطوط الحديدية والخطوط السعودية أولى.
3- المراقبة الجوية.
4- المطارات.
5- الموانئ البحرية.
6- إصدار الجوازات ورخص القيادة والتأشيرات.
7- مكاتب العمل وغيرها كثير.
يعتقد البعض أن التحول نحو التخصيص سيؤدي إلى خفض أعداد العاملين، وهذا احتمال قائم إلا أنه مع زيادة عدد الخدمات وتطورها وتعدد مواقع تقديمها لضمان القرب من المواطن، سيزداد عدد الموظفين وترتفع كفاءتهم.
الأسلوب الثاني: دفع جزء من رواتب الموظفين الحاصلين على شهادات في تخصصات تحتاجها المملكة. هناك الكثير من التخصصات التي لم يتمكن القطاع الخاص من سعودتها نظراً لوجود البديل الأجنبي الذي تقل تكلفته عن تكلفة المواطن إجمالاً. هنا يمكن أن تحدد المؤسسات المسؤولة في الدولة مجموعة من التخصصات التي تدعم الدولة سعودتها. تحدد لكل تخصص مبالغ معينة تدفعها الدولة تكملة على راتب الموظف بما يحقق التوازن المعقول في سوق العمل. صدر مؤخراً أمر ملكي يقضي بزيادة رواتب معلمي المدارس الخاصة السعوديين. إن التزام الدولة بتوظيف هؤلاء يكلف مبلغ خمسة آلاف وستمئة ريال، فإذا ألزمت المدرسة بدفع النصف ودفعت الدولة الباقي، فستكون الدولة قد قدمت الخدمة بتكلفة أقل. التوفير هنا سيطال جزئيات أخرى تشمل إنشاء مدارس أقل، بما فيها الحد من تكاليف الصيانة والتشغيل، وتقليل الكوادر التي تشرف على هؤلاء المعلمين. وكما سيتبادر لذهن القارئ فإن هذا الإجراء يستدعي رقابة وقوانين دقيقة تمنع التلاعب، وينطبق المثال على الأطباء الذين يعملون في مستشفيات وزارة الصحة ويتبعون شركات تشغيل المستشفيات ومثلها كثير.
الأسلوب الثالث: هو تطوير أعمال صندوق الموارد البشرية بما يحقق إمكانية مساهمة الجهات الحكومية في تمويل تدريب منسوبيها. فكرة الصندوق رائدة، وتحتاج إلى المراجعة والتطوير بحيث يفتح آفاقا أكثر ومجالات تخصص تتجاوز الدورات القصيرة والتخصصات المهنية العادية.
إن تنظيم عمليات تدريب الموظفين بما يحقق تغطية الاحتياج في القطاع العام بالتوازي مع القطاع الخاص، وتنفيذ برامج تدريب عالية المستوى، وإدراج الخريجين ضمن مستحقي التوظيف مع حفظ حقوقهم المتعلقة بالكفاءة ونوعية التأهيل، سيجعل صندوق تنمية الموارد البشرية أكثر تفاعلاً مع سوق العمل وقدرة على التطوير بما يحقق أهدافه.
الأسلوب الرابع: يمكن أن تقدم الدولة إعفاءات ضريبية وجمركية للشركات بناء على كفاءة أدائها في مجال السعودة. هذه الإعفاءات سيكون تقديمها منطقياً عندما تحقق هذه الشركات نسب سعودة معينة وفي مجالات وتخصصات معينة. هناك الكثير من الضوابط التي يجب أن تكون مرتبطة بمثل هذا الإجراء إلا أنها وسيلة لتشجيع التنافس في مجال سعودة الوظائف.
الضوابط التي نتحدث عنها هنا تشمل نوعية الوظائف التي تمت سعودتها، ومستويات هذه الوظائف القيادية، والتخصصات التي استهدفتها عمليات السعودة. هذا يتم من خلال إعطاء نقاط معينة لكل نوع ومستوى وتخصص. عدد النقاط يكون مرتبطاً بنسب السعودة المحققة في سوق العمل أصلاً والمردود الاقتصادي لهذه الوظائف على الفرد وعلى الدولة.
إن تمويل عمليات سعودة سوق العمل من أهم وسائل ضمان توظيف المواطن باستخدام موارد أقل. هذه الوسيلة مستخدمة في كثير من دول العالم لتقليل الضغط على ميزانيات الدول، وتقليص دور القطاع العام في إدارة مكونات الدولة. كما تساهم في ضمان مستوى جودة أعلى للمشاريع التي تنفذها وزارات الدولة. فبدلاً من إنشاء ألفي مدرسة في السنة، قد تنفذ الدولة أقل من ألف مدرسة وكذلك الحال بالنسبة إلى المرافق الأخرى. كما أنها تساهم في التقليل من الإجراءات البيروقراطية التي ترتبط عادة بالعمل الحكومي. هذا قد ينشأ عنه ما يمكن أن نعرفه بـ"الدولة الشركة" التي تطمح للوصول لها الكثير من الحكومات.