يأخذ "شيركو بيكه س" مكانه المستحق بين شعراء العالم من نكهة لغته الكردية الخالصة التي يعبر بها عن أفكاره وآلام شعبه، حتى اسمه الذي يعني "أسد الجبال الوحيد" ينتمي إلى الجغرافيا التي تميز المنطقة التي يسكنها الأكراد في شمال العراق.
في هذا الكتاب، المنتخب من اثني عشر ديواناً للشاعر، والذي حمل عنوان "البخار الذهبي"، حاول واضعوه رسم صورة بانورامية عن الجو الملحمي الذي تشكله قصائد الشاعر، والتي غالباً ما لا ينطبق وصف "ملحمي" عليها، كون أغلبها يتألف من مقطوعات قصيرة، أو ومضات شعرية، لكنها في مجموعها تشكل البيئة الشعرية التي يصدر عنها وجدان الشاعر. وبالرغم من كون اللغة الأصل التي يكتب بها الشاعر قصائده هي الكردية، فإن مفردات الشرق في الشعر واحدة، كما أن التسلسل المنطقي للأفكار لا يختلف في شيء عن تفكير الشاعر العربي، أو الفارسي، أو التركي، وحتى الهندي، غير أن الشاعر يؤسطر قصيدته بنكهة شعبه الكردي من خلال أسماء الأماكن والأشخاص والأبطال الذين ترد أسماؤهم كـ"أعلام"، حتى لو لم يكونوا من المشاهير، وهذه ميزة أخرى للشاعر ينتصر فيها للفقراء دون الزعماء. كما يمكننا تسجيل البيئة الريفية التي يستمد الشاعر كثيراً من مفرداته منها، فالأشجار والأنهار والطيور ترد وفق حساسية ابن الريف الذي يتعامل مع النهر كجارٍ له وليس كوعاء من الماء، ومع الطير كصديق وليس طريدة، ومع النبع كأمين لسره وليس موضوعاً لصورة فوتوغرافية، ومن هنا تأتي قوة "شيركو بيكه س" كشاعر ينتزع عالمية قصائده من التصاقه بهموم أرضه وشعبه. وحين يعاتب الشاعر بغداد فإنه يرسل أحزان "حلبجة" وسيطاً بينه وبين مواطنيه العراقيين: "أخبروهم../ ستذهب حلبجة إلى بغداد قريباً/ عن طريق غزلان سهول شيروانه/ حاملة معها سلة من الغيوم البيضاء/ وخمسة آلاف فراشة/ تذهب حلبجة إلى بغداد/ وعند وصولها/ تنهض دجلة بوجل/ تنهض بكامل هيبتها.. وتحتضنها/ ثم تضع طاقية جواهري على رأسها/ بعدها تقترب يمامتان من النجف/ يغمر حنجرتهما الهديل/ ليحطا على كتفيها/ وعندها../ وعلى مرأى ومسمع من النهر/ تتراقص أشجار الزيتون والصفصاف والنخيل/ من جدارية جواد سليم المتينة/ يخرج الحصان الأبيض/ يملأ العاصمة بصهيله/ والشمس.. تفلتُ لتمطر الضياء".
ويتابع الشاعر قصيدته متنقلاً بين المقاهي والشوارع، ذاكراً الأعلام التاريخيين والمعاصرين، وكأنه عاتب بلسان حلبجة على تقصير أصدقائه، أو "تقاعسهم" عن حمايتها من المجزرة.
ولابد أن نلاحظ أن اللسان الكردي قد تعثر في ترجمة القصيدة، فجعل من دجلة مؤنثاً، وأسقط "ال" التعريف من الجواهري. والكتاب، عموماً، حافل بأخطاء لغوية وإملائية وطباعية تُعدُّ بالعشرات، رغم أن غلافه يقول بوجود مراجعين هما محمد عفيف الحسيني، وسامي إبراهيم داوود، ورغم أن الحسيني يقول في مقدمة الكتاب "ثمت، من اعتذار لأصدقائي، مترجمي شيركو إلى العربية، فقد تصرفت في بعض صياغاتي اللغوية، حسب قراءتي الشعرية العربية، دون العودة إلى الأصل الكردي"، وكان أولى به أن يدقق ويصحح أكثر، كمراجع ومحقق، ويصوِّب تلك الأخطاء الكثيرة جداً في كتاب مؤلف من ثلاثمئة صفحة فقط.
وفي عودة إلى متن الكتاب وقصائده، نقرأ مثالاً من إحساس الشاعر بالفقراء قوله: "غالباً ما يأتي الفرات وهو يسعل/ يجلس بجانبي/ يأخذ أمواج لحيته بين يديه، ويقول/ ما يبقى حتى النهاية/ هو مائي/ وتلك القصائد التي لا تنسى الفقراء".
كما يمكن التمثيل على قصائد الحب المقطع التالي: "عندما دخلت../ صارت نظراتي فراشة تحوم في أجواء القاعة/ ثم استقرت على تلك الوردة التي تزين شعرك/ وحين نزعت الوردة ومنحتيها لغيري/ في تلك اللحظة/ تناثرت فراشة نظراتي بين أصابعك/ دون أن تعرفي".
وإذا أردنا أن نضرب مثلاً على اللغة السردية في قصائد شيركو، وهي إحدى ميزات الشعر الشرقي عموماً، ومنه العربي، يمكن أن نقرأ "لا مثيل للوحتي/ فقد رسمت الخرير لا الموجة/ رسمت هيبة الجبل لا الجبل/ ابتسامة الطفل لا الطفل/ بكاء الخبز لا الخبز/ صراخ الحجر لا الحجر/ رسمت حب حبيبتي/ وليس حبيبتي". يذكر أن الكتاب صدر بالاشتراك بين ناشرين، دار الزمان الدمشقية، ودار "ره نج" في السليمانية العراقية.