"منطق العفاريت"هو منطق لطالما أصلت له الشعوب المتأثرة بعصور الظلام (عصور ما قبل العلم)، لتتركز الأحاديث حول مخلوقات أسطورية، وأشباح، وجن، وسحرة، وهذا أشبه بما نقرأه في قصص ألف ليلة وليلة، أو بما نشاهده في أحد أفلام "هوليوود".
هذا المنطق له تمظهراته البانورامية المتنوعة في مجتمعاتنا، واستطاع أن يثبت حضوره الآن في مسرح التعليم، ففي الوقت الذي كُنا فرحين بحرص خادم الحرمين الشريفين على جعل حقوق الإنسان في مقدمة مشاريعه الرئيسة؛ من خلال دعمه للمؤسسات الحقوقية، والتفاعل مع الشأن الدولي، وترشيح المملكة عضواً في الأمم المتحدة لدورتين متتاليتين من 2006 وحتى 2012، والانضمام لكثير من الاتفاقيات الدولية والإقليمية، وإقرار نشر الثقافة الحقوقية على كافة القطاعات التعليمية و الاجتماعية، وفي أثناء تلهفنا بشوق لدمج قيم حقوق الإنسان في مناهجنا التعليمية؛ إلا أن عدم إدراك واضعي المناهج المطورة لمحورية ومركزية حقوق الإنسان في مشروع التطوير؛ جعلهم يستخدمون منطق العفاريت وإن لم يُصرحوا به علناً.. نعم إنها "عفاريت حقوق الإنسان" وبدلاً من تأصيل المنظومة الحقوقية في المناهج، وعمل تدريبات في قاعة الدرس لتعزيز قيم التسامح والتعاون والتضامن والتعددية، وتعزيز التنمية المستدامة، ونبذ التمييز بكافة أشكاله لخلق حياة تسودها الحرية والعدالة والسلام والكرامة والمساواة، راحوا يؤصلون لمنطق العفاريت الحقوقية إلى عقل الطالب، وأن هذا العفريت ألبسه لنا الغرب والليبراليون الذين يتحدثون باسم العالمية والحداثة، وأنه يجب اتخاذ موقف سلبي من هذه الحقوق، وأن التعددية والحريات والعولمة كلها خطط غربية للهيمنة على الدول الإسلامية الفقيرة، فلابد من الوقوف ضدها ورفضها لأنها ترجمة لمنظومة فكرية غربية يُراد تطويع مجتمعنا لها، هذا الموقف المشكك لحقوق الإنسان في "منهج الحديث" للمرحلة الثانوية يجعلني أقولها وبكل صراحة، وخصوصاً أنني لست بعيداً عن هذا الميدان: إن واضعي المناهج ليس لديهم أدنى معرفة بالثقافة الحقوقية، وإلا لماذا زُجت الليبرالية وحقوق الإنسان في المنهج بشكل متساوق، أليس هذا دليلاً على انعكاس الصراعات الثقافية بين المحافظين والليبراليين على المناهج. إن إيمانهم بقضية العفاريت الحقوقية جعلتهم يتناسون أن قضية حقوق الإنسان هي القاسم المشترك الإنساني.
الحقيقة التي لا مناص منها مفادها أن تطوير المناهج التعليمية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإدماج مفاهيم حقوق الإنسان، وأن تعليم هذه القيم يجعل مسار التقدم في هذا المجال يأخذ حركية القفزات النوعية، ولكن في الواقع أن تعليم حقوق الإنسان كهدف؛ لم يكن رئيسياً لدى العديد من واضعي المناهج المطورة، فنجد كتباً تتحدث عن إدماج مهارات التفكير ولكن ليست مؤطرة ومعنونة بكونها حقاً من حقوق الإنسان، ونحن نعلم أن حقوق الإنسان بصفة عامة تمثل تلك الحقوق الأصلية في طبيعتها والتي لا نستطيع من دونها العيش كبشر, وهي ليست وليدة نظام قانوني معين، وإنما هي متميزة بوحدتها وتشابهها باعتبارها الحقوق الأساسية لكل إنسان دون تمايز، والتي يجب الاعتراف بها لأنها جوهر ولب كرامة الإنسان، المناهج المطورة تتحدث عن المناهج التكاملية، فتجد في مادة العلوم مثلاً جزئيات تتحدث عن التاريخ والرياضيات والفن والرياضة، ولكن في المقابل لا توجد عناوين لحقوق الانسان، أليس من المفارقة أن نتحدث عن حرية التفكير في المناهج وفي نفس الوقت نجعلها من أدوات التغريب، متناسين أن حرية التفكير هي حق أصيل للبشرية جمعاء؟! التعليم بلا قيم حقوقية واضحة المعالم لا ننتظر منه أن يُخرج لنا عقولاً منتجة وفاعلة.
وأما إذا انتقلنا إلى عنوان آخر في مادة الحديث وهو "خطر الابتعاث" وعبارة "وجود حاجة إلى الابتعاث لدراسة علوم نافعة لا يوجد لها نظير في البلاد الإسلامية" فهذا دليل يؤكد تماماً على هذا المنطق وهو القطيعة التامة مع النتاج الغربي الحقوقي، وكأن الغرب كله استعمار، ونهب، وسلب، وقتل، وفتنة، ولا يوجد فيه أهل رحمة، ولا عاقلون! الغرب الحقوقي، تقدم تقدما مذهلا في مشروعه الحقوقي بعد الحرب العالمية الثانية، وتطور على كافة الأصعدة.
نعم.. إنهم ليسوا عفاريت، وليسوا ملائكة بل لهم مخططاتهم وألاعيبهم، ولكنني أتصور أنه لنوع من خداع الذات واستغبائها أن نحاول الهروب من مشاكلنا والقفز على عيوبنا، وإلقاء كامل اللوم على الأجنبي.