من أهم هذه التغيرات، التي تحققت في العصر الحديث مع ثقافة الشك، تلك المتعلقة بسياسة المعرفة، أي بطرق إنتاج وامتلاك وتداول المعرفة وهذه قضية أساسية. ففي السابق كانت المعرفة تنتج وتتداول وفق ما تشاء وترغب الفئات المتنفّذة إنتاج المعارف سواء كان عن طريق أفراد أو مؤسسات كان تحت السيطرة تماما، كانت المعرفة للخاصة وتتم مراقبة إنتاجها بشدة وحرص، كانت السلطة باستمرار تضم منتجي المعرفة من فلاسفة ومتكلمين وفقهاء وأدباء وعلماء إلى كنفها وحياضها من أجل إبقائهم دائما تحت عينها لضمان ألا تنتج معرفة إلا تلك التي تقبل بها ومعيار قبولها أن يمكن تسخير هذه المعرفة في خدمتها أو على الأقل ألا تضر بها.
وبحكم أن المعرفة سلطة فإنه من المهم جدا مراقبة تداول وانتقال هذه المعرفة والحرص باستمرار على ألا يتمتع بسلطة المعرفة سوى من تختاره الجهة المختصة. ولذا كانت هناك دائما مؤسسات تحتكر منح الشرعية المعرفية، بمعنى أنها هي المخولة فقط بإعطاء الشهادات والاعترافات بالأشخاص ليكونوا من أهل المعرفة. حديثا تقوم الجامعات الرسمية بهذا الدور فهي تحتكر الشهادات ولا يتم الاعتراف المعرفي إلا من خلالها وهذا يعني ضرورة الخضوع لمقاييسها الخاصة وشروطها.
اليوم كل هذا تغيّر، سياسة المعرفة تغيرت ومن الطبيعي أن تتغيّر طرق التفكير تبعا لها. اليوم تتحقق العولمة، كنت شخصيا من المترددين في استخدام هذا الوصف خصوصا حين شهد رواجا شديدا وأصبح متداولا بشكل فج. ولكن ما أراه أمامي من تحقق للعولمة وتقارب العالم بشكل كبير وانفتاح لم يسبق له مثيل يجعلني أفكر من خلاله بدون تردد. لم يعد اليوم لأي سياق فكري محدد أن يسيطر على المعرفة، لقد أفلتت المعرفة من السلطات التقليدية التي كانت تشرف عليها وتتحكم في إنتاجها وتداولها، اليوم توزعت السلطات كثيرا وتبدلت ومن الأكيد أن السلطة التقليدية هي أكبر الخاسرين فحين كانت تمسك تماما بالعملية إذ بها اليوم أحد اللاعبين وربما أقلهم مهارة.
في السابق كان التغيير الفكري يتحقق من خلال تغيير في الجهة الممسكة بالمعرفة ولذا نجد أن المفكرين الأوائل ما كانوا يوجهون خطاباتهم للأفراد العاديين، كانوا يوجهونها للجهة المختصة. فهم يعلمون أن إقناع هذه الجهة كفيل بتغيير السياق الكامل. كان الصراع في السابق ينطلق من منطلق أحادي. أي أن أسيطر أنا أو أنت، الفكر الغالب هو الذي سيشكل الحياة ويطبعها بطابعه والمهزوم سينتهي ويندثر. نتذكر هنا مثلا أن الفكر العقلاني في الثقافة الإسلامية قد تم تهميشه والقضاء عليه تحت هذه الظروف وضمن هذه المعادلة. اليوم لا يستطيع أي تيار فكري أن يحتكر المعرفة ومنابر التعبير ويمنع غيره من الوصول إلى الناس. هذا أصبح متعذرا اليوم، فالمجال العام مفتوح و أقنية المعرفة ومنافذها أكبر من أن يحتكرها أحد. لقد نقلت العولمة الخيار للفرد بعد أن كان محروما طوال التاريخ. أصبح الفرد اليوم هو صاحب الخيار في أن يتفاعل مع هذا الخطاب أو غيره، وهذا بالتأكيد ما يجعل من الخطابات بأنواعها تراعي نفسها لتحظى بالقبول والاختيار.
باعتقادي أن أثر العولمة الكبير يتحقق في تحرير الأفراد من مرجعياتهم، فبدلا من كون الفرد يرتبط منذ ولادته ونشأته بمرجعية واحدة وفي الغالب أنه لا يجد مفرا من الانضواء تحتها فإنه وفي الفضاء المعولم أصبح يستطيع أن يختار مرجعية أو أكثر ويعيد النظر في قيمة المرجعية فيحولها من مرجعية مطلقة إلى نسبية تخصصية.
تعدد مصادر المعرفة وتصدي الأفراد وبثقة لإنتاجها جعل الشك المعرفي متواجدا باستمرار مع المعرفة. القارئ اليوم لأي نص يقرأ وفي ذهنه هذه الفكرة. يقرأ ليضع النص ومؤلفه في سياقهم الفردي باعتبارهم معبرين عن قراءتهم الخاصة وهناك مساحة طبيعية لقراءة أخرى. في السابق كانت القراءة تتم لمعرفة الحقيقة المطلقة من مراجعها النهائية أما اليوم فالقراءة من أجل معرفة آراء وتوجهات الأفراد والجماعات وتعبيرهم عن رؤاهم الخاصة. هذه بوابة هائلة لمستوى آخر من التواصل والتفاعل استثنائية. الشك في المعرفة المتلقاه أصبح قاعدة لا استثناءا. كل فرد اليوم يتعرض لكم هائل من الخطابات مختلف بل ومتضارب ومتناقض. لا يمكن مواجهة هذا الكم الهائل إلا إما بالانصراف عنه والانعزال ولهذا الموقف ضريبة هائلة وشبه انتحار اجتماعي. الحل الثاني هو الدخول في المعمعة والانخراط في عملية هائلة من التأقلم مع التنوع والانفتاح. اليوم متلقي المعرفة يفتح حاسوبه أو جواله أو تلفزيونه وهو يعلم أنه أمام بحر هائل من التنوع والاختلاف ولا بد من مواجهته من هذه القاعدة: كل يعبر عن نفسه ومصالحه الخاصة. في البداية يستثني المتلقي خطابه الخاص الذي ينتمي له وينزّهه عن هذه المعادلة النسبية ولكن الاستمرار في الساحة المفتوحة بدون أي قدرة على القمع والنفي والطرد يتطلب الرضوخ والتأقلم والاعتراف ولو على مضض على أن الكل يعتبر لاعبا ضمن مجموعة لاعبين وأن الانفتاح لم يعد خيارا بل حقيقة. إذا كان الفيس بوك والتويتر لا يحتمل اليوم حديث فرد واحد واستماع البقية بل يتطلب مشاركة مفتوحة من الجميع فإن المجالس العامة والخاصة في البيوت والاستراحات تتجه في ذات الاتجاه وتعيد ترتيب معادلتها من جديد لتفرض على الجميع شروط الساحة المفتوحة والمشاركة الجماعية.