كنت إذا أقلعت الطيارة أتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من عذاب)، وأقول في نفسي، كيف كان حال أولئك الذين يسافرون قبل تطور وسائل السفر وما حجم المعاناة التي كانت تقع لهم، فقد حدثني كبار السن بأن السفر من قرية تبعد عن حائل ثمانين كيلو مترا إلى حائل ثلاثة أيام بلياليها، وكنت أظن أن هذا الحديث لا يقع إلا في مثل تلك الظروف، إلا أن الحديث يبدو مرتبطا بالسفر سواء كان رفاهية أو عملا، بعيدا أو قريبا، على طائرة أو على ظهر حمار، وقد أدركت معنى (قطعة من عذاب) حين مكثت في الدمام يومين أتردد على المطار لأستجدي كل موظفي المطار أن أحصل على مقعد أقل من متر في متر في طائرة لأصل مباشرة إلى الرياض.
إن المعاناة الحقيقية التي يحس بها الناس الآن من الخطوط السعودية تكمن في عدم توافر الرحلات التي تفي باحتياجات المتغيرات، وخاصة أصحاب الاحتياجات الخاصة، والمرضى الذين يحتاجون إلى رحلات منتظمة ودقيقة المواعيد، ورجال الأعمال والطلاب، والذين يرون في الطائرة وسيلة ضرورية لإنجاح أعمالهم وإنجاز أمورهم.
إن علاقة الطيران بالتنمية علاقة شرطية وجذرية، ولا يمكن أن تتحقق للبلد التنمية اللازمة إلا بوسائل سفر متطورة، فالطيران هو البوابة الحقيقية التي من خلالها يمكن أن يحكم على البلد وطريقه في التنمية، وليس الأمر فقط متعلقا بتوفر الرحلات، وكثرة الطائرات، بل يتعلق الأمر بالواجهة الحضارية للبلد، فالكآبة التي يشعر بها الإنسان في مطاراتنا لا توجد في مطارات في دول أخرى، وطريقة التعامل مع المواطن والوافد لا تكاد تراها في أي مطار آخر، وكأن الموظف سواء كان صغيرا أو كبيرا في المطارات يقول لأي مسافر إن وجدت مطارا آخر فاذهب، فيشعرك بأنك مرتهن له، وهذا يجعله يمارس معك أي أسلوب يراه، ولا فرق في هذا بين من يحجز، ومن يعطي التذاكر، فإن ذهبت إلى المشرف فإذا هو أشد منهم ضراوة في التعامل، فيحار الإنسان إلى أين يلجأ في مثل هذه الأجواء؟ وسبب ذلك هو انعدام الدافع في الحفاظ على العميل في ظل غياب مفهوم التنافسية في قطاع الطيران، وعدم العائد الفعلي على الموظف في رقيه في التعامل مع عملاء الخطوط.
إن الناس إن لم تتوافر لها حاجاتها المهمة فلا أقل من لقاء حسن، وتعامل راق، ووجه بشوش، واعتذار بلفظ جميل، فإن عدم هذا وهذا أصبح المطار جحيما يحمل الإنسان هم الذهاب إليه في كل سفر يعزم عليه ، ومع ذلك فإن الإنسان يعذر كذلك الموظفين الذين لا حول لهم ولا طول فيما يجري، فليس في قدرتهم تطوير الخطوط، ولا توفير الطائرات، ولا انتظام الرحلات، وهذا بالطبع سينعكس على نفسياتهم، ويحملهم ضغوطا كثيرة، ويجعلهم في مواجهة الجماهير التي تتذمر في الصباح والمساء من ضعف الخدمات، وقلة الطائرات، وطغيان الوساطات التي تقدم شخصا عـلى غيره في الركوب عيانا بيانا.
إن أي مطار في العالم هو الواجهة الحقيقية والترموتر لمستوى الرقي في أي بلد، وبقدر ما يشعر الإنسان بالخدمات الراقية في المطارات بقدر ما ينعكس هذا على رسم الصورة الذهنية تجاه البلد الذي ينزل فيه، وأذكر أنني كنت في أميركا سنة 1999، وكنت أعجب من جلد الموظفين الذين يتحملون الزبون ساعات في سبيل خدمته، وخاصة حين لا يفهمون لغة العميل فيحاولون بشتى الطرق أن يتفاهموا معه حتى لو حصل أن يستعينوا بمترجم في سبيل الحفاظ عليه، والخيارات أمام المسافر مفتوحة، والتنافسية على أشدها، والشركات تتنافس في تقديم أرقى الخدمات، ثم لما رجعت إلى السعودية ونزلت في مطار جدة في صبيحة عيد الفطر رأيت الفارق الشاسع بين الأساليب في التعامل مع الناس، وحزنت على مثل هذه الأوضاع التي نشوه فيها من قبل الوافدين، فبسبب سلوك موظف، أو سوء في خدمة نقدم أنفسنا للآخرين، وليس كل الناس لديه القدرة النقدية التي تجعله يترك الأحكام التعميمية بسبب المخالفات الخاصة أو الفردية، وهذا يجعل التبعة على إدارة الخطوط كبيرة في تهيئة الموظفين نفسيا وتسويقيا وحضاريا حتى يكونوا المرسول المناسب لنا في واجهاتنا لدى العالم، والعمل على احترام إنسانية الإنسان والتفاني في خدمته، فالقضية أبعد من كونها وظيفة يتحصل فيها الإنسان على راتب شهري، بل هي دين وسلوك وأخلاق وذوق وحضارة، وجزء من ترجمة القيم التي نتعلمها في منابرنا الدينية والإعلامية في الصباح والمساء، وبهذا نقدم أنفسنا للعالم بالصورة التي تليق بنا باعتبارنا قبلة المسلمين، وموئل الإسلام وبلد الشريعة والأمن والإيمان.
إن المشكلة في الخطوط السعودية يبدو أنها مشكلة بنيوية، وهذه ملاحظات لم تأت عن رصد دقيق للمشكلة، ولا عن دراسة معمقة، وإنما هي ملحوظات خاصة، عايشتها بنفسي، وسمعت الكثير ممن يتذمر في المجالس، وقرأت الكثير من عدم الرضا عن الأداء، وخاصة فيما يتعلق بشح الرحلات وضعف الخدمات، راجين أن يتحسن وضعها إلى ما يتطلع إليه الجميع من تقدم ورقي لهذا القطاع الحيوي الهام والكبير.