خمس سنوات منذ انطلاق المشروع الثقافي الكبير سوق عكاظ، اللحظة التي انتبه فيها السعوديون إلى أن عكاظ ليس مجرد درس عابر في مناهج الأدب، ولا مجرد حزمة من الذكريات القديمة التي تمثل آثارا ثقافية كانت على هذه الأرض ذات يوم، إنه واقع ومكان وقيمة حضارية ضاربة في القدم، وتراث حقيقي جدير بالإحياء والاستلهام، الذي يمكن أن يمثل بعثا مهما في الحياة الثقافية السعودية إذا ما وجدت تنمية حضارية حقيقية. هذا واحد من التوجهات التي يتميز بها الأداء الإداري والقيادي للأمير خالد الفيصل، فهو من القلة الذين يجعلون من التنمية الحضارية والثقافية محورا مهما من محاور التنمية، بل لا يقل أهمية عن مختلف أوجه التنمية الاقتصادية، وهو ـ وبكل وضوح ـ الجانب الذي غاب كثيرا، مما أوجد في بعض الأحيان نهضة عمرانية لكنها تفتقد لكثير من المقومات الثقافية والقيمية، خاصة وأن النهوض في كل مجتمع ليس مجرد أبراج عالية وشوارع فسيحة، بل يجب أن يكون تنمية ترتبط بقيم المكان، وتجعل من مقوماته الثقافية وازعا وباعثا على ذلك، فالتنمية التي لا روح لها هي التي تنطلق من واقع مادي صرف.

في مختلف مناطق المملكة يمكن العثور على مقومات حقيقية للتنمية الثقافية، فلكل منطقة امتدادها التاريخي وذاكرتها الطويلة، إلا أن الجانب المؤثر في هذه العملية هو وجود التوجه والرؤية التي تستوعب أهمية بناء واستنهاض القيم الثقافية وتحويلها إلى واقع يرسم شخصية المنطقة، وبالتالي يرسم شخصية هذا الكيان الوطني الكبير، ومختلف دول العالم تجعل من الاهتمام بمقوماتها الثقافية والتاريخية العامل الأبرز في بناء شخصيتها وهويتها. أكثر ما يدعو للتذمر تلك الأصوات التي قد ترى في مثل هذه التوجهات الحضارية أمرا يمكن الاحتجاج عليه شرعيا، لتبدأ دائرة من التأويلات التي هي في النهاية يحركها الخوف البدائي والتقليدي من كل فعل ثقافي، والذي أثبتت الأيام وأثبتت مختلف التجارب الحضارية أنه خوف لا مكان له، بل إنه عامل ساهم كثيرا في طمس هوية ثقافية وطنية لديها من الثراء التاريخي ما تتميز به عن كثير من بقاع العالم، والشجاعة الحضارية والثقة برسوخ القيم الدينية هي التي تنتج شجاعة ووعيا يستنطق المكان وتاريخه ويعيد تشكيل مقوماته الثقافية وفق القيم الآنية والمستقبلية.

أبرز ما يقدمه سوق عكاظ أنه لم ينطلق من حالة تذكر وحنين للماضي، بل من موقف استلهام واع، وثمة فرق واضح بين التذكر والحنين (انتلجنسيا) وبين الاستلهام الذي يعد استخراج القيم والفعاليات القديمة، ويتجه لبنائها وفق واقع القيم الحديثة، لتتحول إلى محفز تنموي ثقافي، فما يحدث ليس إحياء لسوق كان اسمه سوق عكاظ فحسب، بل هو استلهام لعطاء الإنسان الذي مر بذلك المكان، وبالتالي إيمان بعمق التجربة الحضارية والإنسانية لهذه الأرض، وتجذّر امتدادها التاريخي، الذي يمنح بعدا حضاريا لواقعنا الحالي. الآن، عكاظ بحاجة لأن يصبح فعالياتنا الثقافية والحضارية الموجهة للعالم، والسنوات المقبلة من المفترض أن تشهد حضورا عالميا مكثفا من مختلف الهيئات والمؤسسات والشخصيات ووسائل الإعلام العالمية، وأن يفتح السوق أبواب التواصل مع مختلف الفعاليات الثقافية والتراثية العالمية، ليكون لوحة سعودية لها واقعها وحضورها ضمن لوحات التراث والثقافة والفنون في كل العالم، ونافذة لتسجيل حضور سعودي حضاري في العالم. في المداخلات المصاحبة لحفل الافتتاح يوم الثلاثاء الماضي، أشار الأستاذ زياد الدريس سفير المملكة في اليونسكو إلى أهمية التوجه للعمل على تسجيل سوق عكاظ ضمن قائمة التراث العالمي، وهي فكرة غاية في الأهمية وستمثل بداية لواقع عالمي جديد للسوق. هذا العام وفي سياق التطوير المستمر للحدث، خرج السوق من تركيزه على البعد الأدبي والتاريخ في فعالياته إلى أبعاد ثقافية معرفية جديدة، إلا أنه لا يزال بحاجة إلى توسيع دائرة الاهتمام لتشمل كثيرا من جوانب الآداب والثقافة والفنون، وليكتسب بعدا جماهيريا يتحول معه السوق ليصبح منطقة التقاء وتكريم وتقييم مختلف الأنشطة الثقافية، ومع أهمية فنون مثل التصوير الضوئي والخط العربي، إلا أن فنونا سوف تمنح السوق جماهيرية وحضورا أوسع، وبإمكان الجوائز والفعاليات أن تركز على الصحافة والكتاب والدراما والسينما والإنتاج التلفزيوني، وعلى سبيل المثال فتخصيص جائزة لأهم عمل درامي يعرض في شهر رمضان من كل عام في الفضائيات العربية، وتخصيص جائزة للمسرح وللتلفزيون وللصحف سوف يثمر عن امتدادات أوسع لشخصية المهرجان وتأثيره.

إننا أمام فعل ثقافي ينمو منذ أن ولد، ورهاننا أن يكون السوق بامتداده التاريخي سفيرنا إلى العالم الأول، والحدث الثقافي والمعرفي الأبرز في كل عام.