يخفى على الكثيرين أن الابتسامات الهائلة التي يرسمها محمد بازيد، مقدم برنامج (التاسعة إلا ربع) الشهير على اليوتيوب، هي نتيجة مشوار مضن مع الألم والارتحال والمحاولات. بازيد (33 عاما)، الذي حظيت حلقات برنامجه حتى اليوم بأكثر من أربعة ملايين مشاهدة، ويشترك في قناته أكثر من 28 ألف مشترك، تعثر في دراسته أكثر من مرة. درس في ثلاث جامعات دون أن يكمل في إحداها. استهل رحلته مع جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ثم انتقل إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قبل أن يلتحق بجامعة الملك فيصل. لم يصمد محمد طويلا أمام روتين الجامعة وغلاظة بعض أساتذتها. هجر الجامعة وسط حزن والدته التي كانت تتطلع أن تشاهد ابنها المتفوق طوال مراحله الدراسية المبكرة مهندسا أو على أقل تقدير مرتديا عباءة التخرج المطرزة باسم الجامعة. حاول جاهدا أن يحقق أملها لكنه لم يستطع. غادر محمد الجامعة لكن الجامعة لم تغادره. كان يراها في عيني والدته كلما شاهدها. يلمسها في يديها كلما صافحها. يسمعها في صوتها كلما تحدث معها.

هرب بازيد من حزن أمه عبر الكتابة للصحافة. بدأ بكتابة نشرة نقدية في صحيفة "الوطن" بتشجيع من نائب رئيس تحريرها الأسبق، الدكتور عثمان الصيني. وشارك مع المخرج عبدالله آل عياف في تحرير صفحة سينما في نفس الصحيفة. الانطباعات الإيجابية التي استقبلها، وقتئذ، خدرته قليلا وجعلته ينسى آلام عدم متابعة دراسته وينكب على الإعلام بكل جوارحه.

لكن كان زواجه من ابتهال باضريس، اختصاصية التغذية، أجمل نبأ ظفر به محمد، آنذاك. مهد له الطريق لرسم أول ابتسامة حقيقية على وجهه. فزواجه من ابتهال لم ينعكس أثره على استقراره فحسب، بل على تألقه العملي. بعد زواجه بفترة قصيرة رافق محمد زوجته لدبي لإجراء اختبار صوت في إذاعة (إم بي سي)، وأثناء تأديتها للاختبار سأل المسؤول أن يتيح له الفرصة لإجراء ذات الاختبار فسمح له. وكانت المفاجأة أن محمد وابتهال خرجا من مبنى مجموعة (ام بي سي) فائزين بعقدين للعمل في الإذاعة. لكن الأنباء السعيدة لم تستمر طويلا. بعد 10 شهور من تعيينهما اضطرت المجموعة لتقليص النفقات والاستغناء عن عدد من الموظفين في الإذاعة. كان محمد أحد هؤلاء. ظل هائما في دبي بحثا عن عمل لمدة شهر بعد قرار الاستغناء عن خدماته، لكن دون جدوى. وقبل أن يحزم حقائبه ويعود للخبر، مسقط رأسه، في يونيو 2009 كسر محمد حاجز التردد والخجل وطلب موعدا مع مدير قناة (العربية)، عبدالرحمن الراشد؛ لعله يتيح له الفرصة للعمل في قناته. حصل على موعد مع الراشد. قدم محمد نفسه في بداية اللقاء باقتضاب شديد على أنه صحفي سابق عمل في صحيفتي: (الوطن) و(الرياض) وإلى فترة قريبة كان مذيعا في إذاعة (إم بي سي) وأنه يبحث عن عمل حاليا في (العربية). سأله الراشد عن المكان الملائم له في القناة. فرد عليه بازيد: "في تحرير الأخبار أو إعداد البرامج". في صباح اليوم التالي جاء محمد إلى مكاتب (العربية) لتوقيع عقد فترة عمل تجريبية تحولت لاحقا إلى عقد رسمي.

استقرار محمد في (العربية) دفعه للتفكير في تنفيذ مشروع برنامج كوميدي على الإنترنت عرضه عليه سابقا صديقاه طارق الحسيني وحازم الجريان خلال إحدى زياراته للرياض. المشروع يشبه إلى حد كبير طريقة البرامج الكوميدية الأميركية التي كان يقدمها جوني كارسون، وجاك هارولد بار، وباول ديكسون، ولاحقا: ديفيد ليترمان، وجي لينو، وجون ستيوارت. يعتمد البرنامج بشكل رئيس على التعليق على الأخبار والإعلانات التي تنشرها الصحف بقالب كوميدي ساخر. قام محمد ورفاقه في مارس 2010 بإنتاج حلقة تجريبية لاقت استحسان كل من شاهدها من أصدقائهم. وشجعت مجموعة أبو نواف البريدية وشركة باب الفكرة عبر تبنيها ورعايتها من خلال إنشاء قناة "صح" على يوتيوب لتقديم هذا المشروع تحت عنوان (التاسعة إلا ربع). فور أن عرض البرنامج على اليوتيوب حقق نسبة مشاهدة عالية. وقد حال تباعد فريق العمل جغرافيا: سعد الخضيري، مدير ومالك مجموعة أبو نواف (يقيم في لندن)، ومحمد بازيد في دبي، وطارق وحازم في الرياض إلى توقف البرنامج إلى مدة غير قصيرة بعد 12 حلقة ناجحة. لكنه عاد قبل أشهر قليلة من جديد بجهد أكبر وأفكار جديدة لاسيما بعد ظهور برامج كوميدية ناجحة على اليوتيوب كـ (لا يكثر)، و(على الطاير)، و(إيش اللي).

إن نجاح محمد بازيد يجب أن يدعونا للإيمان بأن الظروف الصعبة تصنع منا أشخاصا أكثر نجاحا ومناعة ضد الإحباط. عدم مواصلة محمد لدراسته لم يمنعه من مواصلة أحلامه وآماله.

جمهور محمد بالآلاف اليوم. ولديه مشاريع تتوالد وتكبر يوما بعد يوم. محمد الذي التقيته قبل نحو 4 سنوات في الخبر لم يعد هو محمد اليوم. محمد الأمس كان أقل ثقة وحماسة، اليوم أكثر سعادة وجرأة وطموحا بفضل إصراره على تحقيق ذاته وحلمه. أمه الحزينة صارت اليوم سعيدة وفخورة بنجاحات ابنها وابتسامته وطموحاته الكبيرة.

إن الابتسامة معدية. ومحمد ورفاقه نجحوا في إشاعتها في الأنحاء باقتدار. إذا كان أديسون أضاء العالم بمصباحه، فهناك من أضاء أرواحنا وأخمد العتمة في أعماقنا بابتسامته. فتحية له. فحياتنا بدون محمد وأمثاله ستكون حتما شائكة وفظة.