تابعت حلقة من برنامج حواري مشهور على إحدى الفضائيات. موضوع البرنامج كان عن مشاركة المرأة في انتخاب أعضاء المجالس البلدية. كانت الاتصالات على البرنامج تميل إلى السخرية، والتقليل من شأن المشاركين الذين كان بعضهم يمثل جهات حكومية و آخرون يمثلون أنفسهم. المشكلة أن الكثير من الاتصالات كانت تتسم بمحاولة الإساءة للمملكة ككيان. خلص الجميع في نهاية البرنامج إلى أنه يمكن أن تكون المرأة ناخبة في المملكة بعد إنجاز بعض الترتيبات الخاصة التي لا بد منها. لكن النظرة التشاؤمية كانت سائدة لدى البعض، فمنهم من رأى أن هذه فكرة لم يحن أوانها بعد، ومنهم من رأى أن المجتمع السعودي الذكوري يميل إلى مقاومة كل تغيير يمكن أن ينتقص من حقوق و امتيازات الرجل.

كانت الساحة الإعلامية هي ميدان الجدل حول المملكة. الجدل الذي حاول الكثير من خلاله أن يثيروا الخلافات والأزمات بين مكونات المجتمع السعودي. مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المملكة كانت المحور لكثير من الندوات والبرامج واللقاءات. انتقلت العدوى من الإعلام إلى مواقع الإنترنت، هذه المحاولات هدفت لإثبات أن المملكة كدولة تقلل من شأن المرأة وأهمية مشاركتها الفاعلة في مجتمعها.

وجهة نظر الدولة كانت واضحة منذ البداية، فالحكومة تؤمن بدور كل مكونات المجتمع و من أهمها المرأة. إلا أنها لن تعمل على إنفاذ القرارات أو الأنظمة إلا بما يتوافق مع قناعات المجتمع السعودي، لأن الدولة هي من المجتمع و يهمها أن تكون متناغمة مع المواطن وهو المكون الأهم للدولة.

رؤية الملك واضحة و ليس فيها لبس. الملك يرى أن المواطنين مسؤولون عن وطنهم كياناً ومكتسبات ومستقبلا. قناعة خادم الحرمين الشريفين راسخة منذ البداية، فهو يرى شعبه ويلمس مساهماتهم، ويشاهد منجزاتهم ماثلة أمامه.

وجهة نظر خادم الحرمين الشريفين تتسم بالحنكة والنبوغ، فالقرار الذي يصدر دون أن يكون مقبولاً اجتماعياً، سيجابه بالرفض. هذه الرؤية تجعل الملك يسير بخطى متئدة ويدخل الإصلاحات السياسية والثقافية والاجتماعية بطريقة مدروسة وهادئة وهو ما يجعلنا نرى فيه ملك التغيير المتأني والحكيم للأفضل.

اليوم، وبعد أن احتلت المرأة السعودية أعلى المناصب في الأمم المتحدة. بعد أن شاركت بفاعلية في أعلى مناصب الدولة من وكيلة وزارة إلى مديرة جامعة إلى شغل كافة مستويات العمل الوظيفي في المملكة بعد أن أثبتت الباحثة السعودية وأستاذة الجامعة والطبيبة وسيدة الأعمال كفاءتها وقدرتها وحرصها على وطنها وقيم مجتمعها وبعد أن حققت أعلى الأوسمة وأرفع الجوائز العلمية والرياضية والثقافية بعد أن حققت كل ذلك وهي تحافظ على عفافها وتعتز بدينها وأسرتها وتخلص لوطنها، أصبح المجتمع السعودي يتقبل أن تكون المرأة مسؤولة في أعلى المناصب وأن تمثل وطنها خير تمثيل داخل وخارج الوطن.

بعد هذا كله يأتي قرار خادم الحرمين الشريفين بأن تمارس المرأة السعودية حقها الطبيعي في المشاركة وخدمة الوطن من خلال عضوية أعلى تنظيم استشاري في المملكة وهو مجلس الشورى السعودي. كما يأتي السماح لها باختيار من يمثلها في المجالس البلدية، بل وأن تصبح هي ذلك الممثل. هذه القرارات جاءت لتؤكد أن المملكة يمكن أن تخطو خطوات كبرى و سريعة في مجال تمكين عناصر المجتمع في كل المواقع.

كل هذا يتم بناء على قواعد وإرشادات ديننا الحنيف، فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نقلت للأمة ربع الشريعة الإسلامية. وقد استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجاته في أدق الأمور، ومن ذلك استشارته صلى الله عليه وسلم لأم سلمة في صلح الحديبية عندما أمر أصحابه بنحر الهدي وحلق الرأس فلم يفعلوا لأنه شق عليهم أن يرجعوا ولم يدخلوا مكة، فدخل مهموما حزينا على أم سلمة في خيمتها فما كان منها إلا أن جاءت بالرأي الصائب: اخرج يا رسول الله فاحلق وانحر، فحلق ونحر وإذا بأصحابه كلهم يقومون قومة رجل واحد فيحلقون وينحرون.

تقبل المسلمون صلح الحديبية و نفذ رأيها الذي كان صائباً، ومن ينسى أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها التي كانت المأوى والمستشار والعشير والحب الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كانت أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم. بل إن الله سبحانه بعث جبريل يقرئها رضي الله عنها السلام لجلال قدرها وعظيم مكانتها في الإسلام. هؤلاء هن أمهات المؤمنين وهن خير سلف تقتدي به المرأة في المملكة.

الإسلام هو المرجعية الوحيدة التي أرسى على أساسها مؤسس هذا الكيان العظيم المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود قواعد الدولة، فقد أخذ على عاقته أن ينشر الإسلام و يحميه ويحافظ على مقدسات المسلمين. وقد سار أبناء الملك عبدالعزيز رحمه الله على هذا النهج المبارك. هذه الدولة التي لن تقر أو تصدر أي نظام يتعارض مع الشريعة الإسلامية السمحة. وما استشارة خادم الحرمين الشريفين علماء الدين قبل اتخاذ هذه القرارات، إلا سير على نفس الطريق القويم الذي على أساسه يتخذ كل قرار ويصدر كل نظام في المملكة العربية السعودية.