يواجه العالم فترة ركود اقتصادي، أو على الأقل بطئاً في النمو الاقتصادي، وخصوصاً في الدول المتقدمة، وأهمها أميركا وعدد كبير من الدول الأوروبية مثل اليونان وإيطاليا وإيرلندا وأسبانيا، الأمر الذي ما زال يؤثر على الاقتصاد العالمي بشكل كبير، ولعل ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة إلى أكثر من (9.2%) من القوة العاملة فيها، أو ما عدده أكثر من (14) مليوناً من سكان أميركا – عاطلين عن العمل – وانخفاض النمو الاقتصادي فيها، وارتفاع تسريح عشرات الآلاف من العاملين في البنوك الأوروبية، وتخفيض التصنيف الائتماني لإيطاليا وعدد من البنوك الإيطالية، ووضع عدد كبير من الدول والبنوك الأوروبية تحت المراقبة، وعدم نمو الاقتصاد في دول أخرى مثل اليابان والصين والهند والبرازيل كما كان متوقعاً، كل هذه العوامل وغيرها من العوامل السلبية الضاغطة وأهمها العوامل الجيوسياسية، أحدها ـ إن لم يكن أهمها ـ ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط من اضطرابات سياسية، وثورات تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، وخصوصاً حجم العرض المتاح والمستقبلي المحتمل للبترول بكل أنواعه – الخفيف والثقيل – ونوعية المخاطر الحالية والمستقبلية التي يواجهها العالم، تمثل تحديات ومخاطر أمام جميع أنواع المستثمرين، وهم:

1. الدول، من حيث ضرورة إعادة النظر في نوعية الاستثمار للفائض المالي والعائدات، وتوزيعها بين أصول على أساس توازن وتخفيض المخاطر.

2. الشركات والمؤسسات ومنها الشركات العائلية، من حيث تحديد نوعية الاستثمار الخاص بالنقد المتاح، أو إعادة استثماره في عملياتها التشغيلية والتوسعية.

3. الأفراد أو العائلات، من حيث توجيه استثماراتهم ما بين الاستثمار في الأسهم أو العقار، أو إبقاؤها في البنوك، و حتى الاستثمار في الخارج سواءً في سندات أو أسهم أو عقار.

في ظل الأزمات الحالية والمستقبلية، ونوعية المخاطر التي يتم التعامل معها حالياً، والمخاطر المستقبلية التي لا نعلم عنها، التي قد يكون من الصعب تحديدها، هناك أسلوب وطريقة لتحديد نوع وتركيبة الاستثمار وكذلك نوعية المخاطر، تختلف حسب نوع الفئة التي يتم التعامل بها من هؤلاء المستثمرين، ما بين دولة أو شركة أو أفراد. ولعل من أهم متطلبات الاستثمار، تقييم عوائد ومستويات ومتطلبات ومخاطر الاستثمار حسب الأولية كما يلي:

1. البيئة الاستثمارية، التي تتأثر بالأنظمة والتشريعات والعوامل الجيوسياسية، وبالتالي مدى استقرار وأمن الدولة، موضع وهدف الاستثمار. فعلى سبيل المثال، من الصعوبة بمكان قبول أي شخص باستثمار أمواله في بعض الدول الأفريقية، التي تواجه ثورات مستمرة مهما كانت العوائد المالية المتوقعة، أي أن المخاطر المرتبطة بالبيئة الاستثمارية عالية جداً، ولا تبرر أبداً القبول بالعوائد المالية المتوقعة. في المقابل، تمثل الدول الأوروبية بيئة استثمارية مناسبة وآمنة.

2. مؤشرات ونمو الاقتصاد الكلي والجزئي، التي ترتبط بعدد من العوامل، ومن أهمها مستوى وحجم الإنفاق الحكومي، ومستوى الاستثمار في القطاع الخاص، ومعدل دخل ورفاهية المستهلك – المواطن – (وهي الأهم في الحكم والمقارنة على مستويات الاقتصاديات) والسياسات النقدية والبنكية، وانخفاض معدلات البطالة، وانخفاض معدلات التضخم. فعلى سبيل المثال، تشير المؤشرات الاقتصادية في أوروبا إلى الصعوبات والمخاطر التي تواجهها دول أوروبا في اقتصادياتها، ومنها اليونان وأسبانيا وإيطاليا وإيرلندا بدرجات ضعف اقتصادي واضح، وحتى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تواجه مشاكل اقتصادية أيضاً، وقد تزداد سوءاً خلال الأشهر القليلة القادمة، مما يؤدي إلى اعتبار أوروبا – جميع دولها – سلبية في مؤشراتها الاقتصادية، على الأقل في الوقت الحالي، بينما لا نستطيع الجزم بما سوف يحصل في المستقبل للاقتصاد الأوروبي.

3. أسواق المال، ومنها أسواق الأسهم والسندات والأدوات الاستثمارية الأخرى، كالمشتقات المالية وغيرها، وهي تعكس مدى استقرار وقوة وأمان البيئة الاستثمارية، وكذلك قوة وإيجابية مؤشرات النمو الاقتصادي، إلى جانب مستوى نمو وأداء القطاعات والشركات على المستوى الفردي. لذلك، كان أداء أسواق المال وخصوصاً أسواق الأسهم في أوروبا – وما زال – يتصف بالسلبية وبالتذبذب باتجاه الانخفاض، كنتيجة حتمية للأداء الضعيف للاقتصاد الأوروبي ككل، وليس فقط على مستوى دولة واحدة كما يراد لنا أن نعتقد.

4. أداء القطاعات المكونة للاقتصاد في القطاع الخاص، التي تعطي مؤشرات جيدة أو غير جيدة حسب الحالة والمكان والزمن، فقطاع البتروكيماويات يتأثر بأداء سوق النفط العالمي، فكلما نما الطلب العالمي على النفط ومشتقاته، كلما تحسن أداء الشركات العاملة في قطاع البتروكيماويات – تأثر مباشر – وأدى إلى زيادة التدفقات النقدية المستقبلية للشركات العاملة، وذلك على افتراض ثبات العوامل الأخرى، ومن أهمها أداء الاقتصاد وأداء الشركة على المستوى الفردي. وينطبق هذا الحكم أيضاً على قطاعات أخرى، مثل قطاع الأسمنت وقطاع التشييد، التي تتأثر بمستوى وحجم مشاريع البنية التحتية ومدى إسهام القطاع العام والخاص فيها.

5. أداء الشركة على المستوى الفردي، الذي يعكس مستوى وجودة قيادة وأداء مجلس إدارة شركة ما والإدارة التنفيذية، مما يتطلب ضرورة النظر في نوعية وخلفية وتاريخ وإنجازات أعضاء مجالس الإدارات والإدارة التنفيذية، لتحديد مستقبل أداء الشركة، وبالتالي القدرة على زيادة قيمة الشركة في المستقبل.

أما بالنسبة للدول أو الشركات أو الأفراد، قرار أو إعادة الاستثمار يعتمد على تحليل وتقييم العوامل الخمسة السابقة، بحيث يتم اتخاذ القرار الذي يحقق أعلى عائد ممكن وبأقل مخاطر متوقعة. ففي المملكة، تعتبر المؤشرات الاقتصادية ـ وخصوصاً في مستوى النمو الاقتصادي والإنفاق الحكومي والسياسات المالية والنقدية والبنكية ـ جيدة وجاذبة، ليس فقط على المستوى المحلي ولكن على المستوى العالمي أيضاً، إضافة إلى الجهود الجبارة التي تبذلها هيئة سوق المال في السنوات الأخيرة في تنظيم ومراقبة حركة السوق والمتداولين، وإن كنا نتوقع ونأمل الكثير من الهيئة، وخصوصاً في مجالات:

1. وضع آلية لمزيد من الشفافية والتنظيم لأداء مجالس إدارات الشركات المساهمة والإدارة التنفيذية والنواب، وخصوصاً في تحديد خلفية وتاريخ وإنجازات كل عضو، مع تحديد فترة محدودة لكل عضو ومدير تنفيذي بحد أقصى، بدلاً من استمرار بعضهم لعشرات السنوات، وهو عكس ما يحصل في الأسواق المتقدمة.

2. وضع آلية لتحفيز وجذب مشاركة المؤسسات المالية والاستثمارية في سوق الأسهم، وذلك لتقليل سيطرة الأفراد على سوق الأسهم من ناحية ولزيادة أداء وقوة واحترافية السوق من ناحية أخرى.