ثقافة الشك هي محضن الحوار، فهي تربي أفرادها على أن الحقيقة منتشرة بين الناس، وأنه ليس لأي أحد الحق في ادعائها لنفسه، وأن التوصل لها لا بد أن يأخذ طريق المشاركة الجماعية والحوار الحر بين الجميع.

تشكّل المعنى الحديث للحوار تاريخيا في البيئات التي شهدت لأول مرة في التاريخ تواجد أكبر تنوع بشري تحت مبدأ المساواة، في الغرب تحديدا. سنلقي نظرة هنا من خلال أحد أهم منظري الحوار المعاصرين الألماني يورغن هابرماس. نظرية فعل التواصل هي منجز هابرماس الأكبر. في هذه النظرية يتوجه، كما يرى إيان كريب صاحب كتاب "النظرية الاجتماعية"، إلى فلسفة اللغة بغية توسيع أساس النظرية النقدية، وقد قدم أطروحة صعبة سنجملها (الحديث هنا لكريب) في مراحل ثلاث: أولا يدعو إلى ضرورة التحرر من "فلسفة الوعي"، التي يعني بها الفلسفة التي ترى العلاقة بين اللغة والفعل كالعلاقة بين الذات والموضوع. وحصر رؤية العالم على هذا النحو سيجعلنا أسرى للعقل الأداتي، وللنزعة التشاؤمية التي خيمت على أدورنو وغيره. فالخلاص والانعتاق لا يمكن أن يأتيا من هذا الموقف. المرحلة الثانية يلخصها ديفيد راسمسن على النحو التالي: يمكن أن يتخذ الفعل صورتين، الفعل الاستراتيجي وفعل التواصل. الأول يتضمن الفعل الغائي العقلاني، في حين أن فعل التواصل هو ذلك الفعل الذي يرمي للوصول إلى الفهم. التواصل فعل، ومثل هذا الفعل يحمل في طياته ادعاء بالصدق، وهذا الادعاء من حيث المبدأ قابل للنقد، فمثلا يستطيع الشخص الموجه له هذا الفعل أن يستجيب بنعم أو لا حسب ما يروق له. ثالثا: يترتب على إعطاء فعل التواصل الأولية عدة أمور: أولا: أن العقلانية بهذا المعنى ليست مثالا نقتنصه من السماء، بل هو موجود في لغتنا ذاتها. وخاصيتها الأهم، وهي تلك التي يركز عليها هابرماس في حواره مع أنصار ما بعد الحداثة، أن هذه العقلانية تستلزم نسقا اجتماعيا ديمقراطيا يشمل الجميع ولا يستبعد أحدا، هدفه ليس الهيمنة بل الوصول إلى التفاهم.

ثانيا: ثمة نظام أخلاقي ضمني يحاول هابرماس الكشف عنه. وهو الأخلاق الكلية. وكثيرا ما يشار إلى هذا النظام الأخلاقي "بالأخلاق الإجرائية" التي لا تتوجه إلى تحليل مضمون المعايير بقدر توجهها إلى طريقة التوصل إليها. ويتم التوصل إلى تلك المعايير عبر نقاش حر عقلاني، تُبحث فيه نتائج كل معيار من تلك المعايير الأخلاقية انطلاقا من خاصيته الكلية: أي هل يلقى القبول والرضا عن طريق الإقناع العقلي وليس عن طريق القوة والقسر؟ أما مضمون المعايير فيعتمد ـ حسب فهم كريب ـ على ظروف المجتمع الخاصة.

ثالثا: هناك فكرة وجود مجتمع ديمقراطي بحق، يكون فيه للجميع فرص متكافئة للوصول إلى أدوات العقل، كالمساهمة في الحوار، ولأن يكون لكل فرد فيه صوت مسموع يحسب حسابه عند اتخاذ القرار النهائي. إذن لدينا اليوم، مفهوم جديد للحوار فلم يعد تبادل الحديث بين طرفين يعدّ حوارا، وإلا كانت أغلب ممارسات الناس حوارا. ولو اختزلنا الحوار إلى هذا المفهوم السطحي لأصبح الكل حواريا ولم يعد للدعوة للحوار معنى أو قيمة. ولذا فمن المهم هنا القول إن الحوار ليس ممارسة بقدر ما هو حالة ذهنية أو موقف فكري. بمعنى أن الحوار بالمفهوم الحديث الذي هو الحل السلمي للصراعات والنزاعات بكافة صورها، والذي هو الأسلوب التربوي والتعليمي الأفضل؛ هو ذو عمق إنساني كبير وله أسسه الفكرية ومنطلقاته الفلسفية.

في البداية الحوار هو اعتراف بالآخر وإقرار بوجوده وحقه في المشاركة والرأي. إنه ـ أي الآخر ـ ليس مجرد هدف لأفكارنا نحاول أن نمررها من خلاله، بل هو شريك في إنجاز المعرفة. وهذا فرق كبير بين الحوار والدعوة. فالمحاور يعتقد أن الطرف الآخر جزء أساسي في عملية إنتاج المعرفة التي يتم الحوار حولها، وبالتالي فهو عضو يملك الحق في إنتاج المعرفة، وصاحب رأي وموقف محترم حيالها. إنه طرف فاعل لا منفعل فقط. في المقابل الدعوة تنطلق من أن الأفكار جاهزة ومنجزة لدى الداعية، والهدف هو نقلها للطرف الآخر دون أن يكون له الحق في إنتاج هذه المعرفة أو تعديلها أو نقدها، ولذا فليس الشكل الحواري الذي تبدو عليه بعض ممارسات الدعوة سوى شكل ظاهري يهدف منه الحصول على موافقة أسرع وأنجح من الطرف الآخر، ولكنها ليست حوارا بالمعنى الفكري الحديث. إنها دعوة يحتكر فيها الداعية الحق، وينحصر دور الطرف الآخر في الاستجابة للدعوة. وبهذا الشكل فإن الكثير من الاستشهادات التي تساق من التراث لا تصبح ذات معنى في هذا السياق، فالحوار ليس أسلوبا بقدر ما هو حالة فكرية وموقف فكري.

من الأسس التي يقوم عليها الحوار بمعناه الحديث ـ أي الحوار الذي أنتج الديموقراطية والحريات والتسامح ـ أساس نسبية المعرفة التي تقابل إطلاقية المعرفة، نسبية المعرفة تعني هنا أن كل فرد أو جماعة يملك جزءا من الحقيقة ولا يملك الحقيقة كاملة. وهذا يعني أن المعرفة التي ينتجها فكر معين هي معرفة تحتمل الصواب والخطأ، والآخرون لهم نفس الوضعية. هذا الأساس يجعل من الحوار حوارا حقيقيا، بمعنى أن يدخله الفرد أو الجماعة وهي تعتقد أن الآخر يمكن أن يسهم معهم في الوصول إلى وضع معرفي أفضل. في هذه الحالة تصبح الوثوقية مشكلة وعائقا للحوار. فما الذي سيجعل الوثوقي يتحاور مع غيره إن كان يعتقد أنه يملك الحقيقة كاملة؟ لن يتبادل الحوار إلا إذا كان ميزان القوى ليس في صالحه، وهذه وضعية خطيرة لأنه، في حال تغيّر ميزان القوى وإمساك الوثوقي بسلطة شبه مطلقة فإنه سيلغي الحوار، ويعود إلى ممارسة استبداده دون أن يشعر بالذنب، فهو في نظر نفسه يملك الحقيقة المطلقة. ثقافة الشك تنبذ الاستبداد بكل أنواعه، وترسم الحوار كطريق سلمي متسامح للتواصل.