"العائق أمام توظيف المرأة هو الموقف الاجتماعي، وإذا زال هذا العائق فإن المرأة العاطلة تستطيع أن تعمل". (نائب وزير العمل).

"قدمت دراسة إلى وزارة الشئون البلدية تقترح المجالات التي يمكن للمرأة العمل فيها ومنها: المقاهي (الكوفي شوب) والمطاعم والمغاسل وصيانة الكمبيوتر وخدمات الطلب". (المشرفة على الوحدة النسائية في أمانة الرياض).

"أغلقت إمارة المدينة قسماً في أحد أسواق المدينة بعد اعتراض الهيئة على تسمية القسم "للعائلات".. القسم لديه ترخيص من مكتب العمل باسم "للعائلات". (خبر صحفي).

لن أدخل في "جدل" الإحصاءات ومناقشة مدى مصداقية المعلومات حول نسبة البطالة بين النساء، هل هي 30% أو أكثر أو أقل، سألغي العلم – مؤقتاً – لأنه لم يوصلنا إلى اتفاق حول الأرقام الدقيقة – وسأحتكم إلى "المشاهدة" وتجارب الناس وواقع حياتهم، سأطلب من قراء هذه الكلمات ومعارفهم وجيرانهم أن يشاركوا في هذه "الإحصائية" – غير العلمية – ليخبرنا كل واحد منهم ما هي خبرته؟ ما هي مشاهداته؟ سأطلب من كل قارئ لديه بنات أو أخوات أو قريبات متخرجات في الجامعة أن يخبرنا كم واحدة تعمل؟ وفي أي مجال تعمل؟ وما هو الراتب الذي تتقاضاه؟ وكم من السنين ظلت بدون عمل بعد التخرج؟.

قبل أن يجيب أحدهم مشكورا أقول: إن لدي إحساسا – بلا برهان علمي ولا مستند إحصائي- أن الأسر تضيق بواقع بناتها بعد أن تعبت من متابعة تعليمهن وإيصالهن إلى المدارس والكليات والجامعات والسهر على مذاكرتهن حتى إذا تخرجن جلسن في البيوت يكثرن جمهور مسلسلات الترفيه في قنوات "الهشك بشك" ليزيد نصيبها من الإعلان دون أن تساهم في توظيف بعض جمهورها، فالأسر وجدت نفسها – بعد قلق الدراسة ومنغصاتها – تدخل في نفق البطالة، وما يصاحبها من توتر في العلاقات يهدد الترابط الأسري ويفتح أبواب المخاطر على المجهول، فالفتيات العاطلات عن العمل تزداد أعدادهن وتتابع أجيالهن لتتجمع في "محطة البطالة" حيث تشعر المتخرجات قبل عامين أو أكثر أن حظوظهن في التوظيف تقل لصالح حديثات التخرج. وهذا "الإحساس" المخفي انتقل إلى داخل البيوت بين الأخوات حين بدأت الكبريات يشعرن بالضيق من الأخوات اللواتي تخرجن بعدهن، وكأنهن من أسباب عدم إيجاد عمل. ومما يزيد من هموم الآباء والأمهات والإخوان والأقرباء متابعتهم للحوار الدائر حول معوقات عمل المرأة وشعورهم بأنه حوار في "المساحة الفارغة" وجدل تغريه النظريات فتبعده عن الواقع!

وهنا تبرز الأسئلة: هل هذا الإحساس الذي أزعم أنه يكاد يكون قاسماً مشتركاً بين الكثير من الأسر السعودية يدركه الذين يخططون لعمل المرأة؟ وهل هذا الواقع المزعج يستشعره الذين يرتابون من التوسع في عمل المرأة؟ وهل هذه الريبة والتوجس والخوف تعادل المخاطر الحقيقية التي تهدد عقول ومشاعر مئات الآلاف من الفتيات المتعلمات القادرات على متابعة ما يجري في العالم من تطورات؟ وهل الذين يخافون على المرأة وسلوكها ويحرصون على حفظها من "مزالق" الشيطان يقدرون خطورة طريق البطالة؟ وهل يعرفون كم وخطر الشياطين الذين يقفون على أطراف هذا الطريق؟ أخشى أن أقول إن "الحوار الاجتماعي" حول المرأة بدأ بالحرص على مصلحتها لكنه انحرف إلى الدفاع عن "الرأي"، وتحول من البحث الحقيقي المخلص عن إيجاد وسائل لمعالجة المشكلة إلى ساحة لتصفية الحسابات وهزيمة الخصوم وتحسين "الجبهات الداخلية" ضد أي اختراق مهما كانت الحجة، وهكذا تحولت المرأة إلى وسيلة بعد أن كانت خدمتها ورعايتها وصيانة كرامتها وحفظ أخلاقها وإشراكها في نهضة بلادها غاية انطلق منها الجميع، فهل يعي "المتخاصمون" حول دور المرأة خطورة هذه اللعبة؟ هل يمكن أن يدرك الممانعون لتوسيع دائرة عمل المرأة – وفق الضوابط التي يتوافق عليها عقلاء المجتمع – أن موقفهم هذا – مع حسن الظن بهم – يفتقد إلى البصيرة ويتجاهل استقراء مسيرة تغير المجتمعات الإنسانية؟ إن مناهج "السدود" و"توقع الأضرار" غير المستندة على مبادئ أصيلة مصيرها إلى "الانكسار" وحينها ستتدفق مياه التغيير إلى نهر الحياة دون أن يستطيع الخائفون إيقافها، والتجارب تؤكد أن تحصين المجتمعات وضبط حراكها بصورة واعية لا بد أن يستند إلى قناعات أهل الرأي والعلم والخبرة، وهذا لا يتوفر إلا إذا اشترك الجميع في وضع القواعد والأسس. وإذا نظرنا إلى موقف مجتمعنا من قضية عمل المرأة نلحظ انقسامه تيارين رئيسيين: تيار يدعو إلى "تقدير الحالة" والتعامل معها بواقعية ضمن إطار قيم المجتمع الأساسية وليس وفق تقدير فئة أو عرف أو نظرة متوجسة، وتيار ليس ضد عمل المرأة لكنه يقدر أن التوسع في عملها يفتح عليها وعلى المجتمع أبواباً قد تفقده السيطرة على ضبط القواعد العامة، (تجاوزت تيارين آخرين متطرفين: تيار ضاق بالقيم ويريد الانفلات منها حتى وإن حطم المرأة، وتيار ضاقت آفاقه حتى ظن أن الحياة والسعي في مناكب الأرض جسر يقود المرأة إلى "جهنم"، هذان التياران المتطرفان ليسا موضع اهتمام هذه الكلمات، لأنهما لا يمثلان واقع المجتمع وتضيق آمالهما وأحلامهما عن مشاكله).. والحديث موجه إلى التيارين الغالبين اللذين يدركان أن المرأة نصف أصيل في هذا المجتمع وأن حضورها حقيقة إنسانية وقوة اجتماعية ومؤثرات تربوية وخلقية، لكن الاختلاف بينهما حول "الوسائل"، ولهذا أعتقد أن هذين التيارين مطالبان بأن يدركا حجم المشكلة ويتفاعلا مع البرامج والأفكار المطروحة والاقتراب من تصورات كل فريق، وحتى يمكن لهذا أن يتم لا بد من التعرف – عن كثب – على ما يطرحه كل فريق: الفريق الداعي إلى إزالة الأعذار أمام توظيف المرأة والفريق المرتاب الذي يخشى على المرأة من الوقوع في حبال الوظيفة وما تجره من مشكلات، وحتى لا يظل الحوار في حدود "التراسل" من خلال وسائل الإعلام أقترح لقاءات على مستوى الوطن تشترك فيها نماذج متعددة من أصحاب الرأي المتوجس مع نماذج أخرى من أصحاب الدعوة إلى توسيع دائرة عمل المرأة، ويتم طرح القضية على طاولة الحوار بكل أبعادها – بعيداً – عن وسائل الإعلام وسحر الشاشات الذي يفجر البطولات ويظهر الشجاعات ويدفع البعض إلى "الاحتماء" بالموقف حتى لا يجر لفريقه "الهزيمة".

أرى أنه إذا تم حوار فاعل هادئ بعيداً عن الأضواء وانتهى إلى وضع تصورات تقبلها أغلبية أطياف المجتمع فإنه يكون قد ساعد في وضع خارطة طريق للانتهاء من هذه المشكلة. وإذا استطاع المجتمع من خلال بعض رموز العلم والباحثين والمسؤولين والعقلاء، أن ينتهي إلى "مشروع" متفق على ضوابطه، حينها يكون نقل "القضية" من الجدل الاجتماعي إلى المسؤولية التنموية، وحينها لم يعد لدى المسؤول عن التنمية عذر يعلق عليه تنامي نسبة البطالة بين النساء! طبعاً ليس القصد هو إحراج المسؤول أو كشف المزيد من عيوب التنمية في بلادنا، لكن الهدف هو إيقاف هذا الجدل المعيق، وإزالة بعض أسباب الارتباك في توظيف المرأة.