بعد أن تخرج الشاب نايف عبدالله النويهض الشهراني في صيف 2005 من كلية العلوم الطبية التطبيقية في جامعة الملك سعود في تخصص (العلاج الطبيعي وتأهيل الإصابات) أتيحت أمامه أكثر من فرصة للعمل في أكثر من مستشفى في الرياض، لكنها لم تلامس شغاف قلبه. ولم يشعر أنها ستمنحه السعادة والمستقبل الذي يتطلع إليه. ظل عدة أسابيع حائرا ومترددا في اتخاذ قرار الالتحاق بأحدها، وخلال تلك الفترة وهو يتصفح إحدى الصحف المحلية التي تركها والده بجانبه قرأ إعلانا عن فرص للابتعاث لمتابعة دراسة الطب في الصين ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي. فور أن قرأ نايف الإعلان انتابته سعادة كبيرة، أعاد نايف الصحيفة لوالده وهو يشير بإصبعه نحو الإعلان دون أن ينبس ببنت شفة. رد عليه والده وابتسامة كبيرة تعلو وجهه قائلا: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وقبل أن تجف عبارة والده قام نايف بالتوجه إلى غرفته، وتعبئة استمارة طلب الالتحاق ببرنامج الابتعاث لدراسة الطب في الصين، وفي اليوم التالي شرع نايف بمراسلة معظم الجامعات التي تقوم بتدريس الطب في الصين، ومعتمدة رسميا من وزارة التعليم العالي، سعيا للحصول على قبول فيها. ولم يحن موعد تدقيق الوثائق ومراجعة طلبات القبول إلا ونايف لديه أكثر من قبول. اختار الشهراني تخصص الطب والجراحة في جامعة جونجو بمقاطعة خنان، التي تقع في شمال وسط الصين. بدأ دراسة الطب في الصين في أكتوبر 2006. كانت أيام نايف الأولى في الصين ممضة وشائكة، فهو ورفاقه الخمسة الذين يمثلون الدفعة الأولى من الطلاب السعوديين الذين يدرسون الطب في الصين، لم يكونوا يجيدون ـ وقتئذ ـ الحديث باللغة الصينية (الماندرين)، كما أن معظم أبناء جونجو لا يتحدثون الإنجليزية. وزاد الأمور تعقيدا أن الملحقية لم تقم بالتنسيق لتوفير مكان الإقامة والمواصلات في أيامهم الأولى مما جعلهم يعانون الأمرين. لكن سرعان ما تحولت أيامهم الصعبة المبكرة إلى أخرى ممتعة، بعد أن قامت الجامعة بمساعدتهم في استئجار الشقق وتعريفهم بالمدينة ومرافق الجامعة.
رغم أن دراسة الطب في جامعة جونجو باللغة الإنجليزية إلا أن الجامعة فرضت عليهم برنامجا مكثفا لتعلم اللغة الصينية؛ للتمكن من التواصل مع المرضى الصينيين الذين سيراجعون المستشفيات التي سيتدربون فيها. والمعروف أن اللغة الصينية (الماندرين) تتكون من نحو 48 ألف رمز، ويتوجب على من يرغب في إجادتها حفظ وإدراك ما بين 6-8 آلاف رمز على الأقل. لكن لم تشكل اللغة الصينية عائقا لنايف بل تحديا، فقد وجد فيها متعة كبيرة، فكل رمز لا يكتب بل يرسم وله دلالة ومعنى، فرمز (كبير) بالماندرين يتجسد في هيئة شخص يقف فاتحا يديه كأنه سيطير، في حين (صغير) يتمثل في شخص يقف ويداه إلى الأسفل.
وأكثر ما دفع نايف لإجادة اللغة هو تشجيع زملائه الصينيين له، فكلما تحدث معهم باللغة الصينية صفقوا له أو رسموا ابتسامة واسعة على محياهم. وكانوا دائما يرددون على مسامعه من باب التشجيع أن لغته رائعة وممتازة كأنه تعلمها منذ الصغر. وكان يرد عليهم قائلا بالصيني: "ماما خوخو"، أي (لا بأس بها). فهو يدرك أن إطراءهم مجاملة لأن لغته جيدة، لكنها لا ترقى إلى مستوى التميز. ورمز "ماما" منفصلا بالصيني يعني الحصان، و"خوخو" يعني النمر. وعند التحام الرمزين: الحصان الأليف بالنمر المتوحش تولد كلمة جديدة تعني (لا بأس بها)، مما يعكس ثراء هذه اللغة وعمق جذورها.
ولا ينسى نايف موقفا مؤلما تعرض له في عامه الثاني في الصين، عندما هاتفه والده مطالبا إياه بمغادرة الصين والعودة نهائيا إلى الرياض أثناء اختباراته، وكان مبرر والده أن أمه مريضة ومنهارة ولا تنام إلا في غرفته، ملتحفة بثيابه وبقايا رائحته. وأمام هذه الظروف لم يجد نايف خيارا سوى الرحيل، لكن أساتذته في الجامعة رفضوا مغادرته نهائيا، وطلبوا منه زيارة الرياض عاجلا والاطمئنان على والدته ثم العودة مجددا لجونجو. وبالفعل عاد للرياض واطمأن على والدته واطمأنت عليه، وعاد إلى الصين بمعية دعوات أمه أكثر حماسة وإصرارا.
حصل نايف العام الماضي على شهادة الطب من جونجو الصينية بتفوق وعاد للرياض، لكن مازال قلبه معلقا في الصين. فهو يشعر بامتنان لوطن حافل بالابتسامات والنشاط والحيوية والتفاؤل، هذا الوطن الذي تعرف فيه على معنى الانضباط والالتزام والمثابرة. فقد كان يشاهد على كل مشروع لافتة يعلوها تاريخ محدد لانتهائه، لم يصدق عينيه عندما ترك الصين عاما وعاد إليها ووجد مستشفى من 33 طابقا أمامه في جونجو لم يكن له أثر قبل مغادرته. مستشفى هائل تم الانتهاء منه خلال أقل من 200 يوم فقط، في حين مشاريعنا قد تستغرق عمرا دون أن ترى النور.
يعيش نايف حاليا سعادة غامرة بعد أن نجح حديثا في اختبار هيئة التخصصات الصحية، وتم قبوله في برنامج البورد السعودي متخصصا في جراحة العظام، هذا النجاح نتيجة سنوات قضاها في الصين، وأخرى في كلية العلوم الطبية بالرياض. نايف الذي حظي بتكريم من الملحق الثقافي في الصين ينتظره مستقبل مشرق بيننا. هذا النجاح الذي يقطفه حاليا ثمرة لكفاح وسفر وسنوات من العمل الدؤوب والإصرار. النجاح لا يملك أقداما، نحن من يمتلكها. فإذا أردنا النجاح وجب أن نسافر إليه مهما طالت المسافة والزمان.
علينا أن نطارد أحلامنا ونركض نحوها، ونتحرك إذا أردنا الفوز والبقاء في حلبة التنافس. فحتى الجنين لا يستكين.