إن قانون الحركة هو قانون طبيعي في كل مفردات الوجود وما من مجال تتمثل فيه الحركة إلا ونجده متساميا ومتعاليا، فأسمى ما في الوجود هو الله وهو خالق الحركة، وأسمى ما في الوجود هو الحياة، وأسمى ما في الحياة هو الإنسان، وأسمى ما في الإنسان هو العقل، والحياة متسامية على بقية مفردات الوجود لتمثل الحركة فيها أكثر لما تحويه من كائنات حية وبداخل كل منها كم هائل من الحركة، والأرض التي تحوي الحياة تجري عليها حركة وديناميكية أكثر من بقية الكواكب، والإنسان يتسامى على بقية مفردات الحياة لأنه الأكثر حركة بداخل الحياة، والعقل يتسامى لأنه الأكثر حركة من المشاعر والوجدان بسبب التفكير والخيال، وهذا التناسب يبين بجلاء أن علامة الرفعة هي الحركة في كل ما يحيط بنا بغض النظر عن اتجاهها وتوجهها ومجالها وتقبلها، وإذا قلت اتجهت إلى الثبات مع أني لا أتصور أن هناك ثباتا وإنما حركة بطيئة مشابهة للثبات قد ندركها وقد لا ندركها، فإن أدركناها فهي حركة باتجاه الأفضل وإن لم ندركها فهي باتجاه الأسوأ لأن السوء يسري خفية ولا ينتظر أما الأفضل فينتظر فندرك بدايته فلا يغترن أحد بثبات، ولا يعتقد أحد أنه ميزة لأنه حركة بطيئة باتجاه السوء وهذا يعني أننا إن لم نتقدم فهذا يعني أننا نتأخر.
إن قانون الحركة حتمي لا يتدخل فيه الإنسان بما في ذلك حركات الظواهر فما يتحرك منها بلا تدخلنا أعظم بكثير مما يتحرك بإرادتنا فنحن أمام جبرية كونية عظمى وعلينا ألا ننزعج منها وإذا كان هناك من يجزع من مصادمة الفطرة لسلوك رآه، فمن السذاجة أن نثير تساؤلا عن سبب التغير الذي يطرأ علينا في أي مجال وكيف حصل.
إن مصادمة مبدأ الحركة تظهر في رفض الحركة، أو التعجب والاستغراب مما يجد سلبا أو إيجابا، أو تظهر حينما نقرؤها قراءة غيبية أو أسطورية مع الحدث الجلل وليست قراءة حركية وفق ناموس طبيعي، وهذا هو ما يفسر لجوءنا لأحاديث آخر الزمان وعلامات الساعة واقتراب المهدي في كل حدث سياسي عظيم وخاصة ما قد يفضي إلى حرب، مع أن البشرية طيلة تاريخها مرت بأحداث أعظم من ذلك ولم تفسر بهذه التفاسير، ولكن نظرا لأننا لا نتصور الوجود إلا ثابتا إلى قيام الساعة فإننا نعتقد أن أي تغير هو بداية لقيام الساعة وما ذاك إلا لغياب فلسفة الحركة.
وتظهر المصادمة أيضا حينما يعبر عنها بالاضطراب أو التغير أو التأثر أو الوفود كقولنا عادات وافدة بدلا من التعبير عنها بالتحول والتطور والانتقال والنمو فهذه المفردات تنم عن استبطان للحركة، وإذا أدركنا ذلك أدركنا خطأنا حينما نفسر التغييرات بتفسيرات اختزالية تقوم على المماثلة والمحاكاة، فهذا تفسير اجتماعي ضيق ويصدق في تحديد توجه الحركة لا الحركة نفسها، والأضيق منه أن ننظر إليه على أنه تشبه بالآخرين فهذا تفسير سلوكي كالصدق والكذب فقد انتقل صاحب هذا التفسير من كونها قاعدة كونية وجودية إلى أن تكون سلوكيات.
إن قانون الحركة ليس حتميا في وجوده فحسب بل حتى في قوته أو ضعفه فحتى لو كان مصادما لكل شيء فإنه يأخذ نفس القوة إن وجد أسبابه الدافعة لهذه القوة، وبالتالي فالدين والقيم والسياسة ليست وسائل ناجعة لإيقافها في كل حال ولكنها قد تنجح في تغطيتها فقط أو إخفائها، وحين إرادة معالجة حركة مرفوضة فما علينا سوى إيجاد حركة تستوعبها أكبر منها بإيجاد البدائل والمجالات التي تبدأ من وجود المشكلة كتعويض آثار السلبيات لا القضاء على المشكلة نفسها، فإذا كنا نعاني من زيادة نسبة الطلاق فلا نعالجه بإرجاع الوضع إلى سابق عهده وإنما بإيجاد حلول للأطفال أو برامج نفسية للمطلقين، وحينما نجزع من سوء العلاقات الاجتماعية فلا بد من إيجاد مراكز أو آليات تسهم في خلق علاقات جديدة ولا نحاول إرجاع نفس العلاقات وبنفس القوة، وحينما نعجز عن محاربة جريمة فلا نقف حتى نسيطر عليها وإنما إيجاد حركة تعويضية عن سلبياتها وهلم جرا فالحركة لا تعالج إلا بحركة، وبناء عليه تظهر لنا جلية أسباب فشل الخطابات الإصلاحية ذات البعد الأيديولوجي سواء الديني أو الاجتماعي لأنها تنحو منحى إعادة الوضع كما كان الشبيه بإصلاح الآلات وتقوم على فكرة الإزالة لا التعويض أو البديل فهي تصادم مبدأ الحركة في الوقت الذي تصادم هي نفسها مبدأ الحركة بداخلها لأنها لا تطور ولا تغير من قناعاتها.