أعلن الرئيس باراك أوباما ـ بفخر ـ قيام الاستخبارات المركزية باغتيال أنور العولقي أحد أكبر أعضاء تنظيم القاعدة في اليمن. يعتبر هذا الإنجاز أول المهام الناجحة التي يحققها الجنرال ديفيد بترايوس كرئيس للسي آي أيه. بالرغم من أن الكثيرين يعتبرونه المسؤول عن عملية اغتيال أسامة بن لادن، إلا أن تلك العملية نفذت قبل استلامه مهام إدارة المخابرات المركزية الأمريكية.
"سوف أعمل على القبض على الإرهابيين بدلا من تفجيرهم، سأستجوبهم وأتعرف على أساليب تفكيرهم وقياداتهم وتوجهاتهم وخطوط إمداداتهم وتنظيمهم. بهذا أتمكن من التعرف على المنظومة بالكامل وأبيدها"..
بهذا أجاب بترايوس على سؤال عضو الكونجرس روي بلنت أثناء جلسات الاستماع التي سبقت الموافقة على تعيينه رئيسا لأكبر جهاز مخابرات في العالم. عندما سأله كيف ستتمكن من تخليص الولايات المتحدة من الإرهاب. توجه يعاكس تماما أسلوب عمل سلفه "ليون بانيتا" الذي أصبح مع التعديل الجديد وزيرا للدفاع.
ولد بترايوس في العام 1952، وتخرج في كلية وست بوينت للقوات البرية الأمريكية العام 1974. خدم في القوات البرية الأمريكية في قيادات مختلفة إلى أن بدأ نجمه يسطع عندما عين قائدا للقوات متعددة الجنسيات في العراق. حيث تمكن من خفض الهجمات المفخخة ضد القوات بشكل أثار إعجاب الساسة في واشنطن. عين بعدها قائدا للقيادة المركزية الأمريكية ليشرف على القوات في منطقة الشرق الأوسط بأكمله، وفي ختام خدمته العسكرية عين قائدا لقوات الدعم الدولية في أفغانستان.
كان الجنرال بترايوس يتحدث بناء على خبرته العسكرية، ونتائج أدائه في العراق وأفغانستان. هذه الخدمة التي استمرت لمدة تجاوزت اثني عشر عاما. حقق خلالها نجاحا يعقبه نجاح، في مواقع كانت مهمة لتحقيق خطط الرئيس الأمريكي في الخروج المشرف من العراق وأفغانستان. اليوم الولايات المتحدة تستعد للخروج العسكري من العراق وتعمل على خفض عدد القوات في أفغانستان.
اختلفت وجهات النظر حول شخصية الجنرال بترايوس، فهناك من يرى أنه رجل يجيد قول كلمة "نعم" في إشارة لقدرته على التعامل مع الأساليب القيادية المختلفة التي اضطر للتعامل معها. فقد تعامل مع رئيسين مختلفين تماما في المفاهيم السياسية هما جورج بوش وباراك أوباما، واستطاع أن يحتفظ بمنصبه، بل وترقى إلى أن تم تعيينه رئيسا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
إلا أن المهم بالنسبة لاستراتيجية الولايات المتحدة هو البقاء على إحاطة بما يجري والتأثير على سير الأحداث والتنبؤ بما سيحدث من خلال التواجد، لكن ليس بالضرورة عسكريا. هذا يستدعي وجود استخباري على مستوى عال من الكفاءة والتجهيز والقدرة على اتخاذ القرار.
بترايوس حقق نتائج متميزة مع استمرار خفض القوات. وصل لهذه النتائج بالتعامل المباشر مع الأحزاب والمواطنين والعشائر، وكل من يمكن أن يتحدث معه في المنطقة. الثقة التي ضمنها كانت نتيجة الاجتماعات المستمرة وحضور المناسبات المختلفة والسير في الشوارع والحديث مع الناس. من خلال إعطاء الجميع الانطباع أن أمريكا معهم، وأن الآخرين ضدهم.
أهم نتائج بناء الثقة مع الحكومة العراقية، هو قدرة بترايوس على تغيير مفاهيم وتفكير وقناعات الحكومة العراقية التي كانت تبجل نظام الحكم في إيران. كشف بترايوس لهم ما تفعله إيران في العراق، وتمكن من تغيير المفاهيم ونقل المالكي من تابع لإيران إلى مقاوم لعملياتها في العراق.
في هذا الشأن يقول الجنرال بترايوس "الأمر الذي لم نكن نفهمه في السابق، هو مدى التغلغل الإيراني في العراق.. إنه يتضح أكثر فأكثر للتحالف وللقادة العراقيين أن إيران... تسعى إلى تحويل ميليشيات عراقية إلى قوة شبيهة بحزب الله، خدمة لمصالحها، ولتشن حربا بالوكالة ضد الدولة العراقية وقوات التحالف في العراق".
في أفغانستان واجه بترايوس حالة مختلفة، فالحكومة تابعة للولايات المتحدة، إلا أنها لم تستطع أن تفرض هيبتها على كامل مكونات هذه الدولة. ظلت عناصر الطالبان ومختلف الفئات المعارضة خارج نطاق حكم الدولة. تمكنت القوات الدولية التي كان يقودها بترايوس من الحد من حركة الطالبان، ودحرهم باتجاه باكستان. إلا أن استخدام العمل العسكري في الباكستان ستنتج عنه آثار سياسية تزيد من رفض الشعب هناك للولايات المتحدة.
المخابرات المركزية هي العنصر الأهم في تحدي المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة والأساليب المقترحة للتعامل معها. وتمنحها الدولة اعتمادات بلغت في العام 2010 80 مليار دولار. تعيين بترايوس يعني أن دور المخابرات المركزية سيكون هو الأهم في مقابل تقليص الدور العسكري.
هذا الاختيار يبرز أمرين مهمين هما:
1- الشرق الأوسط بمكوناته سيكون العنصر الأهم في المشهد الجيو سياسي خلال العقد الحالي. فبترايوس يتمتع بعلاقات قوية في المنطقة بالكامل. كما أن لديه من الخبرة ما يكفي لتقديم الاقتراحات وتنفيذ العمليات الاستخبارية بكفاءة.
2- استمرار الولايات المتحدة في نهج سياسة تقليل الاعتماد على القوات المسلحة في العمليات بالشكل المباشر. وهو ما وعد بتحقيقه الرئيس أوباما. هذا سيؤدي بالضرورة لخفض ميزانية العمليات العسكرية التي تعتمد على المواجهة المباشرة، وبموازاة هذا التوجه دعم ميزانية العمليات العسكرية في مجال الاستطلاع وجمع المعلومات. يحظى هذا الخيار بدعم واسع على مستوى الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية حاليا. بعد أن تجاوزت تكاليف القوات المسلحة الأمريكية في العراق وأفغانستان ألفا ومئتي مليار دولار، الأمر الذي فاقم أزمة الدين العام ووضع الدولة على حافة الإفلاس.
وجود القوات المسلحة الأمريكية في العراق وأفغانستان أصبح مرفوضا من قبل الناخب والسياسي الأمريكي، بترايوس مقتنع بضرورة الخروج السريع من العراق بعدما رآه شخصيا أثناء وجوده بين قواته في العراق وما اطلع عليه من الإحصائيات.
العودة إلى أساليب السيطرة التي كانت معتمدة أثناء فترة الحرب الباردة وأهمها المخابرات، هو البديل الأقل تكلفة. بعدما ثبت لها أن التدخل العسكري سيدمر القدرة الاقتصادية والسياسية والإعلامية للدولة. ولنا أن نتوقع المزيد من العمليات المشابهة لعمليتي اغتيال بن لادن والعولقي في المستقبل.