يطرح الخطاب الملكي السامي تحت قبة مجلس الشورى أسئلة جوهرية وملحة في باب مسيرة الإصلاح التي ما برح خادم الحرمين الشريفين يعلن ملامحها الجوهرية بلغة واضحة وصريحة تعترف تماماً أن طرفي المعادلة، المواطن والحكومة، شريكان في هذه المسيرة بمثلما هما شريكان في منشأ الخلل وجذر الإشكال الذي جعل من مترادفات مثل الفساد والترهل، وكذا الإصلاح ديمومة يومية في لغة خطابنا المحلي. أولى العقبات التي تعترض أي مسيرة إصلاح تنموي وإداري ليست إلا عقبة الاقتصاد، والاقتصاد في المشهد السعودي بضخامته وبشائر نموه قد يتحول إلى معامل استرخاء وتكاسل يبطئ من مسيرة الإصلاح. والذي أعنيه بالتحديد أن الظروف الموجبة بفعل الاقتصاد القوي قد تكون عامل تخدير تدفن تحتها مشاكلنا الإدارية والتنموية المتعددة لأن الاقتصاد القوي يغطي بقية الثقوب والبقع الرمادية وقد نكتشف ذات يوم أن الخلل الأول في مسيرة الإصلاح الوطني ليس إلا عدم التكافؤ في المعادلة: اقتصاد ضخم ومنتعش تديره كوادر إدارية بطرق غاية في التقليدية. وحتى نفسد على هواة القراءة الخاطئة تفسيرهم لكثافة ورود مفردة الإصلاح، فإن المصطلح لا يعني في المطلق أننا في حالة من سيادة للخطأ أو الخلل ذاك أن الرديف اللغوي المقابل في الكلمة (refom) جزء من أدبيات الغرب والشرق وركن جوهري في كل ثقافة إدارية في الدول والمنظومات التي تهتم بمشهدها الإداري والاقتصادي على العكس تذوب مفردة الإصلاح في المجتمعات والدول التي لا تقدم حكوماتها لمواطنيها شيئا يشعل مثل هذا الجدل حول المفردة.
والقصة في كثافة ترديدنا لمفردة الإصلاح هي أننا استمرأنا المصطلح كلسان دارج حتى انتفت عنه المفاجأة والصدمة التي يجب أن يفعلها المصطلح. خذ مثلاً في الموازاة أننا نتحدث عن – محاربة الفساد – حتى أصبحت الكلمتان لزمة لغوية في القاموس اليومي تفوق في وقعها وفي ترديدها، ربما، مفردة – الخبز – دون أن ننتبه إلى أن أكثر المصطلحات شيوعاً تتحول إلى ألفة ومحبة لا تستفز قائلها ليبادر للفعل. نحن نلوك مفردة – محاربة الفساد – وصرنا نعتقد أن مجرد نطقها كمعاش لغوي يومي كفيل بالحلول فيما الواقع يبرهن أننا لم نشخص مرضاً ولم نتبين سبباً، ناهيك عن الخطوة التالية في علاج المرض وتفنيد السبب.
وسأعود للمعادلة المختلة ما بين الاقتصاد القوي والإدارة البيروقراطية لأقول بكل وضوح إننا وصلنا مع هذه المعادلة إلى عنق الزجاجة: اقتصاد ضخم ولكنه لا يتحول كما يجب إلى فعل واقعي على أرض الميدان والسبب هو النصف الآخر للمعادلة.
نحن ندير اقتصادنا التريليوني بعد عقد من القرن الحادي والعشرين بذات النمط الإداري والقوانين وذات عقليات الموارد البشرية التي أدارت ذات اقتصادنا المبتدئ قبل خمسين سنة. هذه الكوادر الإدارية مع إدارة الاقتصاد المتنامي مثل فقير كان يعيش على مخصصات الضمان الاجتماعي ثم انهمرت عليه الملايين فجأة في تعويض لمزرعته المجاورة وما زال يدير أمور جيبه المالية بفكره السابق للمرحلة، أو بالأصح المتأخر عنها بمراحل.
الأدهى من ذلك أننا خبراء في ابتكار الحلول وفي شدو المقترحات: انتخاب لمجالسنا الوطنية المختلفة من الشورى حتى مجلس الحي. مزيد من الصلاحيات لهذه المجالس المختلفة. توزيع شامل لمسيرة التنمية. تفعيل دور المرأة ونشر ثقافة الحوار وكل ما بين تلك المقترحات دون أن ندرك في كل تلك الحلول ما هو أهم: أنها كلها مجرد وسائل لا غايات ودون أن ندرك أن حولنا في هذا العالم من سبقنا إلى تلك المبادرات دون أن يصل للهدف. وفي المحصلة المدهشة أن المقابل في المقاربة والمقارنة يبرهن أن في هذا العالم بضع دول استطاعت أن تقلب المعادلة السابقة بشكل يدعو للدهشة: كفاءات إدارية ناجعة تدير اقتصاداً محدوداً بموارد شحيحة وتنجح لتبرهن أن الشق المتعلق بالإدارة أهم بكثير من نصف المعادلة الآخر في الاقتصاد.
دعونا نعترف أن المشكلة لدينا هي بالضبط: إدارة أقل تطوراً واقتصاداً تدفن العيوب التي سنستيقظ عليها وقد أصبح الشق أكبر من الرقعة. لكم أن تكملوا بقية المساحة.