قبل زيارتي لنيويورك للمرة الثانية والأطول إقامة؛ تساءلت كيف ابتلعت ثمانية ملايين من ساكنيها على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأديانهم ولغاتهم؟! ووفرت الأعمال لأكثرية هؤلاء، وما تزال تستقبل الآلاف سنويا للسياحة والتعليم والتجارة والعمل؟! أسئلة تحملها معك في كل بقعة تتعرف فيها على وجه نيويورك الذي عرفتنا به أفلام هوليود! هذه المدينة التي صنعت تاريخها منذ 400 سنة فقط، واستطاعت صنع أهم المناطق في العالم كـ(تايمز اسكوير) وقلب العالم المالي (وول استريت) وأكبر حديقة (السنترال بارك) والمسرح العالمي (برودواي) ونبض العالم (الأمم المتحدة) وأهم الصحف والقنوات الإعلامية دوليا و.. و إلخ.
وحين تتسلل إلى يومياتها تشعر بالدهشة، لأن "الدقيقة" الواحدة فيها لها قميتها لدى ساكنيها، فالحياة تدب فيها مبكرا جدا، جميع المحال التجارية لمختلف السلع من ملابس وإلكترونيات واتصالات على اختلافها مشرعة أمام زائريها منذ السابعة والنصف صباحا، بعض شركات الأطعمة العالمية لدينا في السعودية تبدأ عملها في العاشرة والنصف صباحا، في حين تبدأ في أميركا السادسة صباحا يوميا، ولن تبدأ هذه الدائرة العملية مبكرا ما لم يكن هناك أناس يستيقظون مبكرا، ويتجهون لأعمالهم حاملين أكواب القهوة، فالجميع يعمل، ولا أحد يحتقر عمل الآخر مهما كان متواضعا، كن حمالا، كناسا، عامل نظافة، بائعا، كن أي شئ؛ إلا عاطلا، وحتى الذين يشحذون على الطريق يعملون أيضا، فهذا يعزف الموسيقى على آلة الكمان أوالساكسفون، وذاك يتحول إلى تمثال من الشمع أو راقص أو يقوم برسم صورة لك، وتلك تلبس ملابس أميرة الثلج وهكذا، يأخذ مالك بكرامة مقابل بيع المتعة.
وهذه المدينة تجبرك وأنت تعبر أرصفتها على تأمل كل هؤلاء ممن يعبرون أمامك وجانبك كل لحظة على اختلافاتهم، خاصة حين تتفرغ مع كأس من القهوة بالبندق خلف زجاج مقهى "ستار بكس" على شارع 34 المزدحم دائما، لتتابع تلك الأرصفة النيويوركية التي لا ترتاح من أحذية العابرين، سواء كان الجو مشمسا حارا أو قارس البرودة أو حتى حين ينهمر المطر بشدة، الجميع لا يتوقف، ولا يؤجل شيئا للدقيقة التالية، وكأنك أمام عقارب ساعة مضبوطة، بل ترى بعضهم يمشي على الرصيف، ويأكل غداءه، ويتحدث بشأن عمله على هاتفه في الوقت نفسه، فكل دقيقة محسوبة عليه في نيويورك، كما قالت لي مرة "نتالي" معلمة أميركية، وإن لم تعمل يبتلعك الضياع في شوارع المدينة، والشرط الوحيد لتنجح امتلاك الحُلم الذي لا يكلف سنتا واحدا، والسعي إلى تحقيقه، والنجاح لمن يعمل بجد، فلا مجاملات قبلية، ولا علاقات اجتماعية ولا واسطات ولا تزكيات من رجال دين ليتم انتخابك أو ترشيحك في مجلس بلدي أو منصب، فقط سيرة ذاتية حافلة بالأعمال التي تبدأ من السابعة صباحا، ومن يفشل مصيره "صفر"، وأصحابه تجمدوا على الأرصفة متشردين بعد أن باعوا حلمهم للمخدرات والكحول، وهؤلاء لا تجد أحدا من العابرين يلتفت لهم، وإن نظروا فهي نظرة تشحنهم بالإسراع للعمل.
يبدو الفرق واضحا جدا بين حال "الدقيقة" في أرصفتنا والأرصفة النيويوركية! فأبسط الأسباب كالعُطل الأسبوعية والظروف الجوية تحول أرصفتنا إلى أرصفة مسكونة بصوت الهواء! وإن تحسن الجو "فيا كثر من يلعبون (البلوت) بالساعات عليها!"