ربما لو لم تأت ما سميت "الثورات العربية" وتشغل القاصي والداني بأخبارها المتناقضة فضائيا، وربما لو لم تكن الآلة الإعلامية جزءا لا يتجزأ من الصراع بين الأعداء المستترين خلف الحُجب، وتصفية الحسابات القديمة والجديدة على الهواء مباشرة؛ لأصبحت القنوات الفضائية الشهيرة في حالة استجداء مذلة للمشاهد، فما بالك بتلك القنوات التي تعتبر من سقط المتاع؟
فبعد السَكرة التي غطت عقول الشباب والشابات والكبار أيضا، بسبب استنساخ برامج على شاكلة "من سيربح المليون" و"ستار أكاديمي" والموضة التركية "مهند" و"لميس"، وما تلاها من محاولات استنساخ وتعريب لـ"برامج/ تهاريج "أخرى، فشلت معظمها في الإقناع.. جاء وقت الصحوة بعد السكرة ـ بالطبع ليست صحوة الثمانينات الشهيرة ـ وأيقن الجميع أن كل ما تتغنى به فضائياتنا العربية ـ العائلية خاصة ـ مجرد تشويه لما لدى آخرين، وأنه لا أحد في هذه القنوات باستطاعته حتى مجرد التفكير والخروج بجديد، بل كانت وما زالت أسهل طريقة لديهم هي إيهام الناس أنهم يملكون "الحصري" والمذهل الذي يعرض لأول مرة في قنوات عربية! ففي اعتقادي أن الأحداث المؤلمة والمتسارعة للأحداث أنقذت الفضائيات من ورطة كانت ستكون أكبر مما هو موجود حاليا، وأعادت "الريموت" إلى الأيدي المتململة والغاضبة من حجم السخف الذي تقدمه معظم الفضائيات العربية، التي تنوعت بين متاجرة بالدين أو الطب أو الفن ـ كل حسب اتجاه البوصلة ـ وأخرى تتاجر بمصطلحات "المقاومة" وثالثة بـ"هز الوسط"، ورابعة بـ"نخوة القبيلة" وذلك باسترجاع الصراعات القبيلة واستخراجها من تحت الرماد، ثم إعادة ذر هذا الرماد في عيون كل ما قال "عيب ما تفعلون"!
المحير أنه حتى القنوات العربية الوثائقية بدأت بقوة "الترجمة" لما يمكن نشره دون خوف من تبعاته، فسارت في هذا الطريق فترة من الزمن حتى نفد المخزون المجاز، ولم يبق سوى ما لا يمكن التعامل معه، ووجدت أنها غير قادرة على فعل شيء، سوى اجترار ما سبق عرضه عشرات المرات في القناة نفسها، فليس لديها خيار آخر في ظل عدم وجود إنتاج وثائقي عربي محترف. والسؤال الآن: إلى أين تسير الفضائيات العربية؟ وهل سيكون مصيرها كمصير المرحومة "إذاعة الموجة المتوسطة"؟