برهن العام العربي الملتهب أن الأنظمة الملكية أكثر وئاما مع شعوبها لأنها معها أكثر تراحما وانسجاما، ولأنها أكثر من ذلك مع أجهزتها العسكرية لم تكن فئوية أو انتقائية في تشكيلات وتوزيع نخب القرار في أوساط المؤسسات العسكرية المختلفة. يندر أن تخلو أسرة واحدة من مجتمعات دول النظام الملكي دون أن يكون لها نصيب من أفرادها في سلم الهرم العسكري. أكثر من هذا فإن الجهاز العسكري في الأنظمة الملكية أقرب إلى الحياة المدنية الخالصة لأن العسكرية فيها للفرد نظام حياة وتأمين مستقبل بلا فواصل بينه وبين محيطه من المجتمع المدني.

يطرح الربيع العربي الساخن سؤالا جوهريا عن العقيدة التي تربت عليها جيوش الأنظمة الجمهورية في العالم العربي وكيف كانت هذه الجيوش سببا في اهتزاز عروش صانعيها لأن هذه الجيوش كانت وسيلة الكبت والتسلط وإهانة كرامة هذه الشعوب بدلا من أن تكون حارس حدودها ومكتسباتها الوطنية. والعقيدة التي أعنيها ليست بالمعتقد الديني، بل أقصد بها البناء الأيديولوجي الذي تربت عليه هذه الجيوش في تكويناتها النخبوية والثقافية. كان الجيش المصري استثناء لأنه تربى على أيديولوجية لم تكن استثناء أو نشازا عن ما يجب أن يكون عليه الجيش في عقيدته وأيديولوجيته. كان الجيش المصري من طينة الشعب ومن نسيجه الاجتماعي. سقط الجيش السوري سقوطا ذريعا لأنه كان نسيج تكوين فئوي تختصره جملة المفكر السوري فايز سارة وهو يقول: لقد جاملنا الإخوة من الطائفة العلوية لستة أشهر كي لا نشق لحمة النسيج السوري والآن علينا أن نقول الحقيقة إن الشعب السوري يدفع من دمائه ثمن بطش هذه الطائفة التي تسيطر على مفاصل القرار في الجيش السوري.

كان الجيش العراقي في عهد صدام أيديولوجية بعثية خالصة قبل أن نكتشف بسقوطه أن العراق عشرات الفسيفساء المتباينة التي لا تشابه مجتمعا آخر من كثرتها فيما نعرف.

بنى القذافي عقيدة جيشه على نخبة النخبة من مخلصي قبيلته وكان من الأنظمة الجمهورية القليلة التي اختزلت عقيدة كل الجيش في كتيبة حراسة هائلة.

بني الجيش اليمني على عقيدة تؤمن أن الثورة الأولى قبل خمسين سنة لا تعني سوى حكم العسكر حتى صارت العقيدة أقوى من الصدمة الهائلة في رغبة الشعب برئيس مدني.

والخلاصة أن هذه الأنظمة الجمهورية سقطت في براثن عقائد جيوشها التي ربتها سوارا حول الأنظمة ضد الشعوب. أقوى نقاط هذه الأنظمة وهو الجيش تحول إلى أقسى نقاط الضعف في لحظة.