إحدى أبشع التجارب التي قد تقضي بها ليلتك هنا والتي تشبه ماقبلها، هي أن تحطك الأقدار صدفة أمام قناة غريبة الأطوار، يحاول القائمون عليها أن يقولوا لنا بشكل ما إنهم مهتمون بالأشياء القديمة، والتي يحاول بها المذيع المتحمس أن يصنع حواراً مع ضيف يحاول هو بدوره أن يصنع شعراً نبطياً يحوم منذ سنوات حول غرضين: أنا قوي جداً، وأحياناً شهم تماماً مثل جدي، وسأسمعكم شيئاً يوضح لكم مدى افتخاري بذلك، أو عينيّ حبيبتي ـ التي أتوهمها ـ واسعة كثيراً، وشعرها كليل طويل "عيّا" ينجلي، لذا سأشرح لكم مدى اهتمامي بها، وبكلتا الحالتين سأفتتح قصيدتي بـ "ياراكب اللي"، أو "أنت الذي" مع أن الأخيرة أستخدمها بأغراض أخرى كطلب أحد الأغنياء مبلغا من المال، المهم أنها القصيدة العصماء التي سأشارك بها مع مجموعة من الشعراء الذين "ملوا البلد" ببرنامج يعتمد هو الآخر على فزعات التصويت!

وتتابع بعينين متسعتين مقدار استماتته بالحديث عن أنه هو ومن يرتبط معه بقرابة أفضل من غيره، وبالتالي فهم يشكلون تلقائياً أجود الكائنات على هذا الكوكب، كيف.. متى.. لِمَ؟، لا تعلم.. ما تعلمه أن الذي يصرخ أمامك حتى يكاد يبتلع المايكرفون مقتنعٌ بذلك الوهم.

ورغم أنك أصبحت مشاهداً حراً؛ ولن "يغصبك" أحد على متابعة تلك الحفلة فبإبهامك تستطيع أن تريح دماغك، إلا أنك وكرجل لا يملك شغلاً يلهيه تستشعر حجم "الهبّة" الضخمة تجاه الرجوع لحواديت طواها الزمن، وتحاول الاستمتاع بمشاهدة الرحلات المضنية بالبحث عن الجذور، والتنقيب عن المنطقة، والتفتيش عن القبيلة، كل هذا وأكثر للإجابة عن السؤال السعودي الأزلي: أنت وش أنت..؟ وهو السؤال الذي ستحدد إجابته مقياس جودتك الاجتماعية، ومدى كفاءتك لتجربة روتينية كالزواج مثلاً.

ما يمكن قوله نهايةً هو: إن التغني بانتصارات الماضي بشكل مبالغ به وعلى حساب الحاضر ليس دليل قوة، بل مؤشر عجز تخفيه تلك الجمل التي تبتدئ بـ "كنّا" و "فعلنا"، وهي المفردات التي لن تقدم شيئاً ما عدا تخدير النهوض وتسميم الوعي.