استمعت للقصة وصدمت وعجزت عن التعليق! .. لماذا قتله أخوه؟ سألت الأرملة ذات الـ 38 عاما وترعى ثمانية أطفال. قالت كان نزاعا حول المال! تابعت أنا : وكيف؟ قالت : طلب مالا من زوجي وابتنى بيتا كان شرطه المناصفة، فلما انتهى سكن وتمتع، وأبى المناصفة، وأبى إعادة المال المقترض، فانتهى النزاع بالقتل. قالت : ذبحه.

قلت : ولكن هذا مشكلة .. وهذا سيقود القاتل إلى القصاص!

قالت : نعم... فاختصر الأخ قتل القصاص؛ فضرب نفسه بالرصاص مثل هتلر منتحرا، وبذلك حلت كارثة في العائلة بمقتل أخ وانتحار الأخ القاتل.

لقد روعتني حوادث العنف الأسري بما رأيت وسمعت خلال فترة قصيرة. الأول وصل إلى الأسعاف يسبح في دمه. كانت الطعنة في الرقبة بسكين اخترقت منطقة الشرايين المغذية في العنق. ثم تابعت طريقها فتلقاها عظم الترقوة، ثم تابعت المسير فخرقت الصدر فنزف، وخلال فتح الصدر بأنبوب تدفق إلى الخارج 600 مل من الدم، كان جراح الصدر محتارا أين يفتح ويتصرف.

قلت له لنفتح نفس المكان ونرى ماذا جرى. وفعلا دخلنا وكان محظوظا بسلامة الشرايين السباتية، مع تقطع الشريان الفقري، ولو أصيب فستكون مأساة ماحقة، تنتهي بشلل وخرس ، هذا إذا نجا من الموت نزفا.

أسعفنا الرجل وعاش، ثم حاول الهروب من المشفى وصدره معلق إلى أنبوبة ووعاء ماء وهواء.

الحادث الثاني كان بين اثنين من الإخوة من فحول العائلة، فلم يجدا سبيلا للتفاهم إلا طعنا بالخناجر ومثاقب الجدران، طعن الصغير الكبير في ذراعه فصاح الدم الحقوني!

وصل المريض إلى المشفى يسبح في دمه كما يعرف الأطباء المنظر، وفورا استقر في غرفة العمليات، وخلال أربع ساعات من العمل المضني الشاق والدقيق الصبور تم إصلاح حنفيات الدم والعضلات المقطوعة والأعصاب الطايرة. كانت الإصابة أشد وأعمق وأفظع من المتوقع، وهكذا هي أيام الحوادث..

في النهاية نجا المرض من الموت نزفا، واليد من البتر بانقطاع تروية الدم ورجع إلى بيت العنف سالما..

سألت السيدة التي خسرت زوجها فترملت وعندها ثمانية من الأطفال اليتامى وهي شابة؛ ألهذه الدرجة من العنف يعيش الناس؟ قالت : نعم . قالتها بصوت خفيض كسير حسير..

حلق بي الخيال في صراع الإخوة من قديم الزمان، ثم استقرت الصور عند اثنين؛ الأول ابن آدم الأول الذي قتل أخاه، فدشن أول جريمة في التاريخ الإنساني، والثانية قصة يوسف كيف أرادوا قتل أخيهم شر قتلة حين ألقوه في البئر ليموت جوعا وعطشا، في حبس لا يصل إليه إنس ولا جان، لولا صدفة المرور لقافلة تبحث عن الماء؛ فألقت الحبل في البئر فخرج الغلام الزكي، ليصبح رئيس وزراء مصر أيام الهكسوس.. فيقال له: يوسف الصديق أفتنا ... وأنت اليوم لدينا مكين أمين..

إنها نماذج من قصص الإخوة والحسد في العائلة الواحدة، الذي يقود تلقائيا إلى الجريمة وأشباهها..

من هنا كانت تربية الرحمة والإيثار في العائلة الواحدة في غاية الأهمية لقوم يعلمون...