في إيران، تسببت الأوضاع الداخلية والتوتر الذي ينتج عن صراع السلطة بين الرئيس محمود أحمدي نجاد وأنصاره من جهة، وبين الذين يدعون أنهم يؤيدون ويمثلون المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي من جهة أخرى، بتجميد معظم أولويات البلد وأعماله. ليس هناك يوم يمر دون أن يستفيق الإيرانيون ويسمعون عن صدامات مضحكة بين المتشددين المتنافسين. من يمين اليمين السياسي سمع الناس في وقت ما أن كبار معاوني الرئيس الإيراني لديهم علاقات مع السحرة وأنهم يستخدمون تعويذات لإدارة شؤون الحكومة استناداً إلى المعلومات السرية التي يحصلون عليها من خلال علاقاتهم مع الجن ومع السحر الأسود، وصولاً إلى ادعاءات الفساد، لكن هذه الأمور جميعها تبقى ادعاءات استخدمت لتوجيه اتهامات إلى الحكومة. منذ عدة أشهر، أعلن القضاء الإيراني أن عدداً من الأشخاص المقربين من الحكومة قد اعتقلوا وأنهم سوف يقدمون إلى المحاكمة قريباً. بعد ذلك ظهر الرئيس الإيراني على شاشة التلفزيون وتحدث عن أن هناك خطاً أحمر يجب أن لا يفكر أحد بعبوره تحت أي ظرف من الظروف.
الخط الأحمر الذي يتحدث عنه الرئيس أحمدي نجاد كان يتعلق باعتقال أي وزير في حكومته من قبل النظام القضائي. قال الرئيس الإيراني وقتها إنه سيستخدم سلطاته القضائية لكشف المؤامرة التي تتعرض لها حكومته للشعب الإيراني إذا تم اعتقال أي عضو في حكومته. وعندما توجه الرئيس الإيراني إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عدة أسابيع، لم يوافق أي من مؤيديه السابقين من التيار المتشدد على تلك الرحلة، حتى أن بعضهم عبر عن شكوكه فيما إذا كانت مثل هذه الرحلات ضرورية كل عام.
أحمدي نجاد، الرجل الذي كان يوماً ما مقرباً من المرشد الأعلى، أصبح الآن يواجه منافسة حادة من منافسين مثل الإخوة لاريجاني. أحد الإخوة لاريجاني يرأس النظام القضائي فيما يرأس الآخر البرلمان الإيراني (وهناك أخ ثالث يرأس جمعية حقوق الإنسان الإسلامية). الإخوة لاريجاني يراقبون الرئيس أحمدي نجاد عن قرب لاستخدام صلاحياتهم القانونية لإعاقة أحمدي نجاد عندما يعتقدون أن ذلك ضروري. وما هي الضرورة للقيام بذلك في رأيهم؟ أن يشوهوا صورة الرئيس أمام الشعب الإيراني وأمام المرشد الأعلى؟
الصدامات المتواصلة بين الرئيس من جهة وبين القضاء والبرلمان من جهة أخرى جعلت كبار مساعدي أحمدي نجاد غير المتطرفين يلجؤون للثناء على المرشد الأعلى وكبار رجال الدين. منافسو الرئيس أحمدي نجاد صنفوا رئيس موظفيه وبعض أعضاء حكومته على أنهم جواسيس يعملون على اختراق النظام، كما اتهموهم مؤخراً بالفساد أيضاً. في أكبر فضيحة تتعلق بالبنوك في تاريخ إيران الحديث؛ وتشير التقارير إلى أن هناك قضية احتيال بـ3 مليارات دولار.
الرئيس أحمدي نجاد، الذي تركزت حملته الانتخابية عام 2005 على محاربة الفساد، بدأ يتعرض لضغوط فيما يتهم النقاد قريبه ومعاونه الأولـ إسفانديار رحيم مشائي، بأن له علاقات مع المشتبه الرئيسي بالقضية.
الحكومة أنكرت أي علاقة بقضية الاحتيال. هناك أحد عشر عضواً في البرلمان طلبوا من رئيس البرلمان علي لاريجاني أن يحقق في التجاوزات القانونية التي قام بها بعض كبار المسؤولين، بما في ذلك الرئيس أحمدي نجاد نفسه، وحاكم البنك المركزي محمود بهماني، ووزير الاقتصاد والمالية شمس الدين حسيني، وذلك بحسب ما ورد في وكالة مهر الإيرانية الرسمية للأنباء.
في النهاية، في 3 أكتوبر، صرح الرئيس أحمدي نجاد أنه يتعرض هو وأعضاء حكومته للهجوم ولاتهامات ظالمة وأضاف "أنا لست بصدد الدفاع عن أي شخص. لقد حافظت على الصمت من أجل البلد. لكنني أؤمن أن الله سيدافع عن رجاله."
هذه هي المرة الثانية التي يقول فيها الرئيس أحمدي نجاد أنه يحافظ على صمته من أجل البلد والوحدة الوطنية. مع اقتراب الانتخابات البرلمانية التي ستبدأ في شهر مارس القادم، من المؤكد أن يستخدم منافسو الرئيس الإيراني الأقوياء أدوات أكثر قوة ضده وضد حلفائه لكي يمنعوهم من دخول البرلمان.
لقد تم تجميد جميع الشؤون الوطنية بسبب ذلك النوع من الخطط والمؤامرات بين الأطراف المختلفة في المشهد السياسي الإيراني. الإيرانيون العاديون يعتقدون أن هذه نهاية مرحلة. هذه المنافسات بين الخصوم السياسيين تثير غضب الشعب بشكل كبير.
قال لي أحد المواطنين الإيرانيين في إطار تعليقه على الوضع السياسي الراهن في البلد "لماذا لا يريدون أن يعيدوا النظر في الإذلال الذي تعرض له البلد في المجتمع الدولي؟ لماذا لا يستطيعون أن يروا التضخم والبطالة في إيران؟ لماذا لا يبذلون أقصى جهودهم لرفع العقوبات والحصار الاقتصادي عن إيران؟ إنهم مشغولون بأنفسهم وحول من سيحصل على المزيد من السلطة. يبدو أن الشعب منسي لديهم حالياً، لكن هذا الشعب حي... وهو غاضب جداً!".