التقى – في الأسبوع الماضي – بعض المهتمين بقضايا الإعلام والتربية في مدينة أبها، ضمن البرنامج التحضيري للقاء التاسع للحوار الوطني الذي يدور حول أداء المؤسسات الإعلامية الوطنية، ومدى تعبير وسائلها عن الاتجاهات السائدة في المجتمع، وتأثير الإعلام في ثقافة الحوار.. ويهدف اللقاء كما نشرت الصحف، إلى بلورة رؤية وطنية تجاه القضايا المهمة، حتى يكون الإعلام قادراً على ترسيخها وتوسيع دائرتها في أذهان الناس.
ولا شك في أن الإعلام في عمومه يعكس ثقافة المجتمع، ويتناول ما يدور فيه من حراك وتجاذبات بين تياراته المختلفة. ويفترض أن تكون له القدرة ـ بحكم الرؤية الشاملة ـ على إبراز القواسم المشتركة بين أطياف المجتمع إذا أدرك "وظيفته" التنموية الداعية إلى انسجام وتناغم القوى الفاعلة. فالإعلام في المجتمعات النامية، مطلوب منه أن يلعب دور "قائد الرأي" الذي من أهدافه "إزاحة" الأفكار الشاذة من مجرى التنمية العام، وتجاوزها وتخليص المجتمع من أضرارها، وإعطاء الأولوية والأهمية للأفكار التي تساعد على نمو المجتمع وتطوره، دون إرباكه بالتوتر الناشئ عن انعدام الحوار وسيادة ثقافة سوء الظن والتشكيك في ضمائر المختلفين. ومن هنا تأتي أهمية الحوار باعتباره "مفتاحا" لتفكيك آلة العنف وإحدى الوسائل الناجعة في تجفيف منابعه، فالعنف – في معناه العام – يبدأ بالكلمة القاسية واللفظة الجارحة والصيغة المعنفة التي تغذي مشاعر الكراهية، وتمدها بنار الحقد وطاقة الغربة عن المجتمع، حتى تصل إلى لحظة "الانفجار" في شكل العنف المادي. والحوار بهذا المعنى يعد أحد أهم أدوات محاربة الإرهاب التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة، لأنه يفكك "بنية" العنف، ويزيل أسباب الاحتقان، و يساعد على معرفة ما يدور في عقل "الآخر" ويصحح المغلوط من المفاهيم.. وهذا الحوار الذي نتحدث عنه لا تكتمل مهمته إذا لم يتحول إلى مشروع تترجمه المؤسسات الحقوقية والتربوية والإعلامية إلى "خطاب" يلتزم به الجميع.. خطاب يتسم بالرحمة ويستحضر حسن الظن وتقديم النظرة الإيجابية على ما سواها. وإذا أردنا أن يؤدي الإعلام الوطني هذا الدور – بصورة مؤثرة – فإنه يحتاج إلى تأسيس وتبني "خطاب" نابع من قناعة الغالبية في المجتمع، بضرورة إشاعة ثقافة الحوار وأهميته وأثره الإيجابي على إزالة أسباب سوء الفهم. فالذين لا يعترفون بهذه الضرورة ويرون في الحوار "تطاول" الأقلية على رأي الأغلبية لن يستطيعوا المساهمة في القضاء على دواعي التوتر النابع من سوء الفهم، الذي هو ثمرة من ثمرات "جهل" وجهات النظر الأخرى. وحتى يؤدي الحوار هدفه ويعطي ثماره يحتاج إلى "ثقافة" تؤسس له، تعترف بأن اختلاف الآراء طبيعة إنسانية تسود كل التجمعات البشرية، وأن جميع المختلفين هدفهم البحث عن الحقيقة، وأن هذه الحقيقة التي ينشدها الجميع لا تزداد وضوحاً وجلاءً إلا تحت ضوء شمس الحوار وقبول واحترام الرأي الآخر. واحترام الرأي المختلف وتقديره وتفهم بواعثه يسهم في استقرار ثقافة عامة تستوعب "فروعها" المختلفة دون أن تشكل تلك الفروع مصدر إزعاج للمجرى العام. ومع إقرار الكثيرين بأهمية مشروع الحوار الوطني وترسيخ ثقافته ومطالبتهم بإدخاله في المناهج المدرسية والجامعية، وتفعيله في أروقة المؤسسات الحكومية المعنية بتشكيل "الرأي العام"؛ إلا أن هؤلاء يتساءلون: ماذا أثمر الحوار الوطني بعد كل هذه السنوات؟ وهل ثقافة الحوار بمعزل عن القوانين والأنظمة التي تحمي المختلف يمكنها أن تترك أثراً إيجابياً على مجمل حياتنا الاجتماعية؟ يخشى البعض أن يكون الحوار الوطني "عدل" مساره وتراجع عن دوره المأمول منه في تحسين "بيئة" الاختلاف الفكري، وتقليل الشكاوى الحقوقية المرتبطة بمفهوم "حق المواطنة" في تساوي الفرص ورفع المظالم، و"غير" مساره واهتماماته إلى قضايا "تنفيذية" يمكن أن تعالج داخل المؤسسات الحكومية التنفيذية. وحتى يؤدي الإعلام دوره المثمر في قضية كبرى كالحوار الوطني الذي يهدف إلى إيجاد "روح عامة" فإنه يحتاج إلى:
1. حرية التعبير عن الرأي "المختلف" دون الخوف من "سطوة" المخالف.
2. أن يعطى الإعلام حرية عرض وجهات النظر المختلفة بكل شفافية وموضوعية، ومناقشتها ورد الخاطئ منها، وتبني ما يعبر عن رأي الأغلبية دون الإساءة إلى وجهة نظر الأقلية المخالفة.
3. أن يدرك الإعلام أن الناس لا يمكن أن تصب في "قالب" واحد، فاختلاف وجهات النظر في إطار المبادئ العامة والمعايير المتعارف عليها يزيد من قوة الوطن وحيويته.