تتبوأ مدينة دبي المركز التاسع عالميا من حيث عدد الزوار الأجانب الذين يدخلونها متقدمة على نيويورك وشنغهاي وأمستردام وكوالالمبور، ويحتل السعوديون المرتبة الأولى من حيث عدد السياح والزوار القاصدين دبي على مستوى دول المنطقة.
ولأنني من زوار دبي وأعيش وسط أقارب وأصدقاء وجيران هم أيضا كثيرا ما يترددون على دبي، لفت نظري أن السعوديين يستحضرون هذه المدينة كثيرا في تفاصيل حياتهم اليومية، كلما استفزتهم أشياء بسيطة كان من المفترض أن تكون واقعا معاشا وقائما بينهم وفي محيطهم منذ عقود، لكنهم وجدوا أنفسهم في موقع المبهورين بـ (طلة) دبي السريعة والمتفردة، لتكون وحدة قياس متعبة لهم، ومتعبة للكثير من المسؤولين ممن يلامس مسامعهم اسم دبي، كلما تعثرت معاملة أو برزت شكوى من سوء خدمة أو هيمنت التقليدية والبيروقراطية على فكر هذا المسؤول.
وقد رأيت أن هؤلاء السعوديين لا تهمهم آلية الإنفاق والإيرادات والاستثمارات والمنظومة الاقتصادية المعتمدة في دبي، ولا تهمهم ناطحات السحاب الجميلة التي تناثرت في وسط المدينة وعلى أطرافها، إنما هم يتحدثون عن أشياء بسيطة، ليست بحاجة لدراسة جدوى ولجان وهيئات وخبراء.
هم يتحدثون عن أنظمة وتنظيمات وآليات عمل وجودة خدمات، كلها تصب في رفاهية سكان المدينة وزوارها، هم يتحدثون عن حالة تكامل بين القطاعات الحكومية المختلفة لتقديم منتج وخدمات بمواصفات لا تقبل إلا بالنسب العالية.
هم مجبرون على استحضار دبي للمقارنة كلما تعاملوا مع الخطوط السعودية، وكلما ركبوا سيارات الليموزين في المدن السعودية, وكلما شاهدوا باصات (خط البلدة)، وكلما دخلوا مطعما أو بقالة، وكلما توقفوا عند محطة بنزين على طريق سريع، وكلما سمعوا عن جمعية حماية المستهلك، أو لجنة من اللجان العديدة داخل الغرف التجارية وخارجها، ممن تزعم أنها شكلت لخدمة المواطنين والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم.
شخصيا، أتألم عندما تحاصرني مواقف تفرض علي من حيث أرغب أو لا أرغب حالة المقارنة تلك، وتزعجني حالة المقارنات التي أسمعها من الأصدقاء والأقارب والجيران، لكنها حقيقة لا يمكن الادعاء أنها غير موجودة.
كل المقومات البشرية والمادية والجغرافية متاحة لنا، وأنا على يقين أن الكثير من المدن التي تفوقت علينا بما فيها دبي تغبطنا على ما هو متوفر لنا، وغير متاح لها، وبالذات الجانب المالي، لكن المال وبقية عناصر النجاح تفقد قيمتها يوم أن تغيب الإدارة الشاملة، والإدارة الواعية التي تقاس كفاءتها بالإنتاج ولا غير الإنتاج!.
لدينا في المملكة نموذجان ناجحان يعملان وفق الإدارة الشاملة، هما الهيئة الملكية للجبيل وينبع، وأرامكو، فعندما نذكر النظام والتنظيمات وآليات العمل والمدن بما احتوته من مدارس وطرق وحدائق ومستشفيات وبنى تحتية، مما يقع في دائرة هاتين الجهتين، سنجدها مختلفة تماما وبشكل جذري عن بقية المدن السعودية، بما في ذلك نوع الخدمات المقدمة للسكان وجودتها في كافة القطاعات الترفيهية والتعليمية والطبية والاجتماعية، فضلا عن الآلية التي تدار بها تلك القطاعات ذات الصلة بالسكان والزوار، إذ تتسم بالانضباط والجدية والجودة، وتستهدف دائما رضا ورفاهية الناس.
ما أود قوله، إن واقع الحال يفرض علينا إعادة النظر في آلية إدارتنا للمدن، لنتخلص من حالة المقارنة تلك التي أتعبت الكثيرين!